في التنمية البشرية الذاتية
هذا مدخل لما هو بمثابة علم جديد في التنمية البشرية، أنعتها بذاتية التنمية الذاتية Personnel Développement personnel ما يلمع إلى أنه بحق علم الذات تنمية بحق من طرف الذات نفسها؛ وهو يرتكز أساسا في ذلك على علم النجوم الأنسي astrologie humaniste في صفته كتعمق في الشخصية البشرية من زاوية علم النفس التحليلي كما نظر له العالم السويسري كارل غوستاف يونغ.
فعلم النجوم الأنسي عندي هو علم الذات البشرية في اتصالها المتحتم مع كل ما في الكون من طاقات وذبذبات وتيارات كهربائية ومغناطيسية لا يمكن للجسم البشري ولا لما يجعله حيا، أي مبدأ الحياة أو الروح، أن يستقل بذاته عنها مثل أي عنصر من عناصر أي منظومة. مثال ذلك، وهو الذي لطالما يذكر عن هذا الترابط المكين بين ما على البسيطة وما يأتي على ابن آدم من تأثيرات عليه مما حواليه في الكون: تأثير القمر عليه في حال امتلائه وذلك لصفته المائية الغالبة تماما مثلما نلاحظه في ظاهرة المدّ والجزر. والشيء نفسه يقال بخصوص جميع ما في الكون الفسيح وفيه الكواكب والمجرات، مما علمنا ومما لم نعلم بعد، أعظم تأثيرا من هذه الظاهرة البسيطة والتي لا تنتهي. ذلك أنه لو قبلنا بمثل هذا التأثير للقمر وهو مجرد جرم سماوي صغير يتبع الأرض التي هي بمثابة حصاة في المجرة الشمسية، فماذا يكون تأثير غيره من كواكب المجرة وهي أعظم منه وبالتالي أشد وقعا على ما يحيط بها؟ وقل ذات الكلام عما في العالم الكوني خارج مجرتنا درب التبانة التي هي نفسها بمثابة الحصى من حصي رمال شاطئ بحر ممتد، لا نهاية له، بما أننا لا نعرف إلا النزر القليل عن هذه المجرات. وما الغرابة في ذلك ما دمنا، حتى عن ذاتيتنا، من أين أتينا وأين نذهب، لا نعلم ما يرفع عنا جهلنا، دوما بحاجة إلى التعرف عليها أكثر، وزيادة.
لهذا رأيت في علم النجوم أفضل الإثراء لمختلف طرق التنمية البشرية المختلفة لأجل معرفة النفس وتنمية قدراتها، ولكن دون الحاجة إلى استشارة خارجية، عدا معرفة خريطة الولادة الفلكية وبعض المعلومات الأساسية في علم النجوم التي من شأنها أن تتطور وتتدعّم بمجهود ذاتي ما دامت الرغبة في ذلك حاصلة والمعلومات اليوم متوفرة لكل من يطلبها؛ على شرط معرفة ما يطلب وما يحتاج إليه من معرفة. بذلك تحصل التنمية الذاتية لصاحبها بمجهوده الفردي لا بإعانة من لا يعرف عنه شيئا غير الذي يعلمه منه؛ فلكأنه يعلمه عن الوقت من ساعته التي بيده! فهذا المساعد الخارجي، رغم ما يمده به من يستشيره من معلومات عن نفسه، يبقى جاهلا لعديد المعطيات المهمة التي لها أهميتها في تنمية ذات الذي يستشيره.
البداية تكون إذًا بالحصول على بطاقة الميلاد الكونية carte du ciel والتي يمكن الحصول عليها على الفضاء الافتراضي عبر المنصات المختصة وهي عديدة. على أن هذا يقتضي معرفة، عدا يوم الميلاد ومكانه، ساعته بالضبط؛ فذا يمكن من قسمة دولاب الأبراج إلى بيوت maisons تقاسم مجالات الحياة والشخصية من البيت الأول إلى البيت الثاني عشر؛ وهي نفسها تنقسم إلى ثلاثين درجة degré مقسمة إلى ثلاث عشريات décan ، وللكل أي الدرجة والعشرية معنى ومغزى نعود إليه لاحقا. وتحديد بداية البيت الأول -وهو الخاص بالشخصية الذاتية حسب تجليها الاجتماعي وهيئة الفرد في نظر الغير وكما يتقمصها إن كان ممن يحملون قناعا- يكون بالطالع ascendant أي البرج الذي فيه مطلع الشمس عند دقيقة الولادة. أما مكان تواجد الشمس عند الولادة فهو يحدد البرج الشمسي signe solaireالذي يعني عموما الانتماء إليه، فيقال هذا من برج كذا أي أن شخصيته العميقة الجوانية بلا قناع هي من سيمات هذا البرج؛ وهو يتواجد بالطبع في بيت من البيوت التي بدايتها برج الطالع. على أن معرفة الطالع والبرج الشمسي لا يكفيان لمعرفة دقائق الحياة النفسية والانفعالات الشخصية والمشاعر الذاتية إذا لم نحدد مكان تواجد القمر وبيته، إذ بالقمر، من خلال بيته وخلاف للشمس، نعرف أكثر شيء عن خصائص الذاتية. ذلك أن الشمس أو البرج الشمسي يركزان المعرفة على الشخصية الاجتماعية.
بهذا تتحدّد مبدئيا بعض المعالم للذاتية البشرية التي; وإن فيها عديد التجليات للشخصية، لا تكفي لتوصيف التصرفات وما بها وليس بها من انفعالات. هذا يحدّده بصفة أدق مكان تواجد كوكب المريخ Mars، كما أن كوكب الزهرة Vénus يبيّن طبيعة العواطف والمشاعر، وعطارد Mercure نوعية الفكر وطبيعة الذهن والتحاور؛ وهي أسرع الكواكب في دولاب الأبراج، دون أن ننسى دور المشتري Jupter وهو أعظم كوكب في مجرتنا، ولئن اعتُبر فأل خير فخاصيته تعظيم كل ما يمسّه ممّا من شـأنه أن ينقلب أحيانا نحسا حسب مواقع الكواكب وعلاقاتها ببعضها، مثل أن يكون مقترنا مع بلوتو Pluton (توصيف عمله يأتي لاحقا) فيدعم ويوسّع من مفعوله في إعادة البناء بدءا بالهدم. وبلوتو هذا من الكواكب البطيئة التي آثارها تتجاوز المستوى الفردي لكامل الجيل؛ وهي تأتي بعد زحل Saturne وهو كوكب سيئ السمعة على الإطلاق ولو أنه ليس بالضرورة فأل نحس بل عامل نضج وتزكّي؛ فهو كشرطي أو مؤدب دائرة الأبراج أي الساهر على الاحترام الكامل لنظام الأمور المتوجب، ومنها عدم مسارعة الزمن ووتيرته في الحياة؛ فإن كان ذلك فعلا يكون أكبر العون للنجاح فيها، وإلا فلا مفر من العقبات والعواقب المشاكسة. بعده في المسافة مع الشمس نجد أورانوس Uranus، كوكب التغييرات والثورات، خاصة الذهنية والتفاعلية، ثم يأتي الكوكب نبتون Neptune ، الفاعل الأساسي للروحانيات والحدس والحس الإشراقي ولكن أيضا للوهم والتوهم والخداع. وأخيرا، على الأقل بالنسبة للكواكب المعروفة اليوم، يـأتي بلوتو، سابق الذكر، وهو آخر ما اكتشف منها، وهو لا يبعد كثيرا في سوء تصرفاته عن زحل إلا أن عمله ديماسي ونتائجه على المدي الطويل؛ وهو بمثابة ملاك الموت والحياة في الآن نفسه إذ دوره القضاء على يتحتم اندثاره ليحيا مجددا؛ فمن يفهم هذا فلا يعاكس ما يفرضه التغيير، بل الموت الافتراضي لما لا بد من زواله فيه، يحيا لا محالة مجددا لحياة أفضل.
هذه نبذة عن بعض ما يمكن معرفته عن ذاتيته الشخصية للفرد مع الاستغناء في ذلك عن المستشارين والمدربين ممن لا يعدو عملهم سوى إرشاد المسترشد عما هو أدرى منه به أو بإمكانه ذلك حيث، في النهاية، لا يعلم حقا ذاته غيره.





