عندما يقبل المغرب الأقصى
بلعن خلفاء الإسلام على أرضه!
لا شك أن اللعن غير غريب في تاريخ الإسلام، بما أن ابن عم الرسول، الخليفة الراشد الرابع، وقع لعنه طويلا على المنابر من طرف الحكام الأمويين. إلا أنه ولأول مرّة، منذ مدّة وبدون هوادة، بالمملكة المغربية، وهي التي على رأسها الملك بصفته كأمير المؤمنين، يقع لعن الخلفاء الراشدين برمّتهم. هذا تمّ ويتم بدعوى الموضوعية التاريخية، وذلك في نطاق خدعة في هيئة سلسلة كتب مدّعية الطرافة، وهي مستلهمة من كتاب سبقها بسنة في نفس الموضوع؛ وهو باللغة الفرنسية أيضا، إلا أنه احترم التاريخ وأيضا حساسيات المسلمين. فما نشر تحت اسم هالة الوردي في سلسلة روايات ليست إلا إعادة ما نشر قبلها مع التوسع في أبوابه الأربعة في أجزاء على حدة عنونتها «الخلفاء الملعونون» مع تخصيص كتاب أول لوفاة الرسول وليس هو إلا الفاتحة الموسعة للرواية السابقة لروايتها المزعومة. هذه الكتب رغم عدم احترامها للأخلاق المهنية والتاريخية كما نبيّنه توزع دون أي إشكال في المملكة المغربية رغم صفتها تحت حكم أمير المؤمنين!
حرابة ناشر غربي وشراكة مغربية
الإشكال الذي لا مجال لغض النظر عنه هنا هو أن هذا الكتاب الصادر عن دار ألبان ميشال Albin Michel، وكل السلسلة بداية من الكتاب الأول وكان عنوانها «الأيام الأخيرة لمحمد»، أتي بعد سنة على الأقل من نشر دار أفريقيا الشرق المغربية لروايتي التاريخية بالفرنسية Aux origines de l'islam. Succession du prophète, ombres et lumières فقلدته السلسلة المنشورة سنة بعد توزيعه بالمغرب وتونس قبل أن يكف ناشره عن ذلك بل ولا يوزعه بالغرب للتعمية على وجوده رغم نجاح توزيعه الأول منذ فعاليات صالون الدار البيضاء لسنة 2015 والمعرض الدولي لتونس لنفس السنة. بذلك كانت هناك من لدن الناشر المغربي شراكة، موضوعية على الأقل، مع الناشر الفرنسي للعمل على التعمية على ما نشر حتى لا يتم الإضرار بحملة التعريف بالكتاب المنعوت باسم هالة الوردي. وهذا العمل لم يكن هدفه التعريف حقا بالتاريخ بنزاهة كما فعلتُ في كتابي، بل هدفه القيام بحملة مسعورة ضد الإسلام، لعل أهم المسؤولين عليها ممن له قناعات شيعية؛ ولا أكبر من دليل على ذلك سوى عنوان الكتب الموالية للكتاب الأول إذ في عنوانها جرأة فجة لا فقط في المس من مكانة خلفاء الإسلام الراشدين بل وبلعنهم! رغم ذلك مر كل هذا مرّ الكرام، رغم تنديد أهل الاختصاص بما أتى فيه وقد نعته المرحوم هشام جعيط بأنه من قبيل نشر «الفساد والغباوة»!
الأغرب هنا، إضافة إلى تهاون الناشر المغربي في الدفاع عن كتاب نشره، وخاصة الحرص على حفظ حقوق مؤلفه بما أنه رفض توزيعه كما طلبه منه في الإبان، الأغرب هو أن يسمح بمثل هذا التصرف الأخرق في عملية تحقيرية للإسلام وأعلامه من باب التلاعب بالتاريخ؛ هذا علاوة على الاستلهام من عمل سبق دون الإشارة إليه، بل والاعتداء عليه باستعمال عنوانه؛ فذا ما فعلته الوردي في كتاب آخر وزعته خلال نشر كتبها مدار حديثنا.
تهجم رخيص باسم الحقيقة
لئن لا يمت مثل هذا التصرف المكروه أخلاقيا والممنوع قانونا بالتزمت الإسلامي، إذ يدعي صفة معاداته حتى باختلاق الأكاذيب، فلا شك أن بذوره ببلادنا لهي مثل التزمت نفسه مسؤولية الغرب والمنبتّين من اللائكيين المسلمين في تشجيعه؛ ولا أكبر الدليل على ذلك ما نعاين من المسؤولية المشتركة بالحملة المسعورة ضد الإسلام وكتابة تاريخها حسب الأصول مع احترام لا للحقيقة التاريخية ولا لأحاسيس الناس في مقدساتهم. فالكتب الحاملة لاسم هالة الوردي تتنزّل دون شك باسم حرية الفكر والرواية في خانة حملة شعواء يقودها البعض في الغرب وحتى داخل الإسلام نفسه باسم ملل ونحل متعادية سلاحها فكري في قراءة موجهة للتاريخ الإسلامي، مشوهة لروح الدين الصحيح ومقاصده الأنسية.
طبعا، لا تهمنا كثيرا شراكة الغرب مع الإسلام المتزمت في حملاته التشويهية اليوم لدعم تمركزه العسكري والمركنتيلي ببلاد الإسلام وقد حولها إلى ساحات حرب وأسواق لبضاعاته؛ فمن البديهي أن مصالحه تقتضي استغلال كل الفرص واستعمال من يسعى في ركابها ويقبل بخفر ذمّته لأجل مصالحه الذاتية؛ وهذه حال أهل الإسلام الأدعياء، الإسلام المتزمت، هذه الجاهلية الجديدة. إلا أنه من الواجب الأخلاقي عدم غض النظر عما يقترفه في حق هذا الدين وأهله وحق شعوب الإسلام في الاحترام اللازم لمقدساتهم بسعي مهوس لنسف حضارة دين أتى تنويريا باسم الانتصار لمبادئ سامية أُفرغت من محتواها في قراءة تاريخية تدّعي الموضوعية بينما هدفها تشويه الحقائق فيه رغم اعتدادها بالتزام الحياد ظاهريا. فلا شك أن كل مفكّر أو باحث سليم النية من بين أهل الفكر في بلادنا يندد مثلنا بمن يعتقد سذاجة، في صفوف النخب، أنه يخدم بلاده ودينه بالتنديد بماض مسكوت عنه، بينما هو على خطأ فاحش في ذلك إذ لا يشعر بأنه، في أفضل الحالات، ليس إلا الشريك الموضوعي لأعداء الإسلام خارجيا، من أهل اليهومسيحية، أو داخليا، من حلفائهم أصحاب إسلام التزمت أو من شيع لها الحق طبعا في مناهضة الإسلام السني المتغلب، إلا أن ذلك لا يكون بالانحدار إلى الحضيض بما فيه هدم صرح الدين كله. فمثل هذا الإسلام لا تقوّي شوكته اليوم، علاوة على الدعم الذي يلقاه من هؤلاء الغربيين، إلا هذه الهلوسة المعادية للدين الإسلامي عند اللائكيين من أهله أو، مثل الحال هنا، التيار الشيعي فيه؛ فهم لا يقاومون في الحقيقة التزمت السنّي، أي الإسلام الأغلب، بل يساندونه بتنديدهم الأهوج بدين كان حضارة عالمية وبأعلامه بتعلّة الحقيقة التي يُراد بها الكذب والباطل.
والكتاب الذي نحن بصدده له أفضل الدليل على ذلك إذ يتنزّل في خانة التهجم الرخيص على الإسلام بدعوى سرد التاريخ مع الاعتماد في هجمته على من يغلّب مصالحه الدنيوية الآنية من أهل الإسلام على واجباته لا الأخلاقية فقط بل والقانونية. فهذه الرواية الآتية في حلقات، والتي تتبع أخرى سبقت في الأيام الأخيرة للرسول، لا تحترم الموضوعية العلمية كما هو بيّن من عنوانها المستحوى من رواية شهيرة بلغة موليير في تاريخ ملوك فرنسا القدامى؛ فمتى بلغ خلفاء الإسلام فحش ملوك فرنسا إلى حد نعتهم بالملعونيين؟ ولا شك أن في هذا العنوان التوقيع الثابت لمصدره الشيعي بما أن الشيعة تميزت بلعن خلفاء الإسلام، عدا علي.
مناورة صليبية بسلاح التاريخ
لنقل بادئ ذي بدء أننا لا نعرف مواطنتنا هالة الوردي وليست لنا بتاتا نزعة الشك في حسن نية الغير؛ إلا أننا نبيّن أنها قبلت وضع اسمها على مشروعٍ رفضه غيرها من أهل الفكر والتاريخ، أي تبنّي هذا المشروع العدائي للإسلام والمسلمين الذي هو بحق المناورة الصليبية الفكرية المذكورة بسلاح التاريخ. بدأت المناورة هذه بصفة محتشمة مع رواية آخر أيام الرسول؛ وهي تكشف القناع، مع الكتاب الثاني، عما لا يمكن إلا نعته بالمؤامرة المحمومة لأجل التأثير على الناشئة واغتصاب ذهنها إذ لا تعلم من تاريخها شيئا، خاصة وأن أهل التزمت يغالطون ويخادعون فيه. فلئن نعاين بأول كتاب من هذه السلسلة، وهو الذي توسع في فاتحة روايتي الصادرة سنة قبله، كيف أن هم صاحبته الظاهر هو رواية التاريخ كما هو بما فيه من فظاعة، نحن سرعان ما نقف على غاية الرواية الباطنة، وليست هي إلا إيذاء الإسلام وزعزعة تعلّق أهله به؛ ولا شك أن عنوان السلسلة يكفي تبيانا عن سمومها تلك: الخلفاء الملعونون!
فمتى أصبح اللعن، وهو مطية الكاذبين، أداة لتقريب التاريخ الأصيل من الأفهام دون محاولة لغسل الأدمغة؟ متى كان الكلام النزيه في التاريخ سبا وإثارة لأحاسيس المؤمنين ممّن يقدّس هؤلاء الحكّام؟ أليست الموضوعية وضرورة الحياد العلمي تلزمان الحرص على اختيار الألفاظ حتى لا تثير حفيظة المتلقّين لهذا التأريخ دون السكوت عما فيه من مساوئ لفتح المجال للتفكير والتخمين؟ أقول هذا عن وعي وتجربة بما أني سبقتُ الأستاذة هالة الوردي بخمس سنوات على الأقل في الكتابة في الغرض نفسه؛ إلا أني قمت بذلك حسب الأصول العلمية، مع احترام تام للمشاعر وللحقيقة التاريخية، فكان عملي في نطاق مشروع هادف، بيداغوجي وعلمي، يحترم أصول السرد التاريخي. فإلى متى السكوت عن مثل أسلوب اللعن هذا، وهو مطية الكاذبين، لا الأداة الفضلى لتقريب التاريخ الأصيل من الأفهام دون محاولة لغسل الأدمغة؟ فمثل هذا التصرف يفرض التصدّي له باسم النزاهة العلمية والأصالة في رواية التاريخ لمثل هذه الحملة الصليبية التي يسمح لنفسه بعض أهل النشر بالمغرب المشاركة فيها. فهم لا ينتبهون للضرر الحاصل لهم وللأخلاقيات التي ينتمون إليها ويعتقدون فيها، ومنها أخلاق الإناسة التي تقتضي الامتناع عن المساس، بالسب واللعن، بمعتقدات الآخر احتراما له، دون السكوت بالطبع عن واجب قول الحقيقة من باب كلمة السواء المتوجّبة والنزاهة الموضوعية الضرورية! هذا فضلا عن أخلاقيات مهنتهم وواجباتها، ومباديء شعبهم ودولتهم إن لم يكن لهم الضمير الحر لإصلاح ما فسد من تصرفهم بالتزكية الواجبة فالتكفير على ما سلف من نزغات الشيطان، إذ التوبة النصوح أفضل من التمادي في الغي وقد فاحت نتانته.











