في التفرّد التونسي:
تونس الاستثناء وعلم النفس التحليلي
في «تونس الاستثناء»، ثلاثيتي بالفرنسية الصادرة بتونس سنة 2016 عن دار نقوش عربية، بينت أن هذا البلد بشعبه، وخاصة ناشئته، وبالأخص فيها فتياتها، لهي استثناء بلا منازع؛ وهذا الاستثناء يؤسس لطرافة وضعها في العالم العربي والمحيط المتوسطي. ولئن لا تتجلى هذه الخصلة عيانا وبكل وضوح، رغم صفتها المكينة في الشخصية التونسية كذات مغربية طريفة من زاوية السيكوسوسيولوجيا، وذلك للظروف السياسية الداخلية والإكراهات الأيديولوجية المتحتمة في عالم معولم يجعلها شديدة الكمون -فإذا هي غالب الأحيان بالقوة لا بالفعل-، ذا لا يقلل بتاتا من قيمتها ككسب مستدام في نطاق تزكية النفس ورعاية ما فيها من الأفضل. ولعل الأمر، في الحقيقة، لا يبعد عن عملية التفرّد والتميّز، حجر الزاوية في علم النفس التحليلي لأجل التحقق الفردي كفتح نفساني وسوسيلوجي فيه التماهي التام والتناغم الأسنى بين الوعي واللاوعي.
فلا شك في قيمة هذا التفرد التونسي كمدخل لتزكية الفكري العربي وتجلية لجانبه النفسي من خلال اللاوعي الجماعي، الديني خاصة، في نطاق التنظير لشخصية عربية واعية مطلعة على ما فسد في متخيلها لعدم الوعي به وعلى حقيقة فعله في وعيها لاوعيها. ذلك لأن حقيقة تعاسة الأوجاع ليست إلا أنها غالبا رفض الإصغاء لما يصرخ به المسكوت عنه في الحس والضمير.
والتفرد، كما أسس له العالم السويسري، مسار باذخ للنضج النفسي للفرد الناجح في عملية الجهاد النفسي الأكبر مع النفس في تجلياتها الواعية واللاواعية، وذلك وعيا بما تختص به هذه الأخيرة. فطالما لم يتوصل الفرد لمعرفة ذاتيته كاملة بما فيها من صفات واعية لا يجهلها وصفات غير واعية أيضا يجهلها رغم أن لها أكبر الأثر على تصرفاته بما أن شخصيته الواعية تستمد ركائزها منها. فبمعرفة ما يؤسس لهذه الركائز في اللاوعي يتوصل الإنسان للمماهاة بين مختلف خصائص ذاته ليصبح كيانا فريدا متجانسا مع مكوناته النفسية المختلفة بتوصله لإدراك خاصيات تفرده الداخلي والعمل على تقوية الترابط والتناغم بين ما فيه من وعي ولاوعي، وبالأخص ارتباط تصرفاته الواعية بتيرب جذورها ضمن اللاوعي.
لهذا الاجتهاد النفسي الكبار ركائز هي محطات عملية من المتحتم القيام بها بالتصدي لنزعة التهرب من ضرورة التعمّق في الخفي من الشخصية التي يرتكز عليها الأنا غالبا دون التفطن لما وراءها من مكونات لاواعية هي في خلاف مستمر مع تجليات الأنا، منها القناع Persona وهو ما يستر الوجه الحقيقي والتصرف الاجتماعي من التمويه والمغالطة أو مجرد المداراة، أي بمعنى ما يخفي الفرد به زيفا ما بداخله من حقائق لضرورة التأقلم مع المجتمع ونفاقه؛ هذا ما نعتّه لعبة الأنا وأيضا مثل المشربية الذي ينقلب عادة إلى مركّب في الآن نفسه. ومع حتمية رفع القناع المزيف حتى لا ينقلب إلى وجه يوازي الوجه الحقيقي أو يعوضه حتّى ، يتطلب نجاح التفرّد مجابهة الظل L'ombre بالتوصل إلى كشف الجانب المظلم في الذات، إلى حد انقلابه أحيانا إلى أشياء مكبوتة في الشخصية، مع العمل الجاهد للتخلص منها. ما يحمل الفرد للتعرف على ما فيه من جانب يمثل الجنس الآخر في لاوعيه: أي الأنثوي بالنسبة للرجل، وهو الأنيما Anima، والذكوري بالنسبة للمرأة، وهو الأنيموس Animus، ثم دمج هذه الجوانب، التي تعمل في خفاء ولكن بلا هوادة، لأجل الوصول لتحقيق التوازن النفسي.
ما لخصنا هنا بعجالة من عملية التفرد في علم النفس التحليلي ليونغ فيه الكثير مما نجده في النفسية التونسية وقد رسب إليها من عادات التصوف الإسلامي في رحلة الذات نحو التزكي الأكمل لبلوغ وحدة الكمال التام الذي عبّر عنه بالرجل الكامل بمعنى المتكامل، أي الذي نجح في اجتهاده الأكبر في مجاهدته للنفس الأمارة بالسوء. وليس السوء ضرورة ما يعرف من الفساد، بل أولا وقبل كل شيء سوء الخلق مع النفس لعدم فهمها فالتصرف حسب مكارم الأخلاق كما هي في ذاته المتطلعة للأفضل لأجل العيش المسالم السليم مع النفس ومع الغير.
وهذا يميّز جوانب هامة من الشخصية التونسية، تلك التي تختزلها عبارة وصف التونسي بأنه «عيّاش»! ففي صفته النظرية المثالية، بدون إكراهات ولا منغصات مفروضة عليه، لهو من التفتح على الآخر بقدر وفير، وكذلك من الاعتراف بما في نفسه من جوانب خفية، ذكورية للأنثى وأنثوية للذكر؛ كما أن تأقلمه معها ومع واقع الحال ومقتضياته لا حد له إذ من شأنه الانقلاب من مجرد التأقلم مع واقع معاكس مشاكس إلى القبول بكل إكراهاته حتى يصل الأمر به أحيانا حد الرضوخ لها بل والخنوع التام، معتمدا على إحدى ميزات خاصياته -وهي المنعوتة بتدبير الرأس، إحدى تلك التي يتألق بها في طرافته- أو هو في النهاية يلوذ بها للاحتماء من هنات ضغوطات محيطه عندما يبلغ السيل الزبى، إذ من تفعيلها عندها لات حين مناص.





