Mon manifeste d'amour au peuple 2/3
 




Mon manifeste d'amour au peuple 3/3


I-SLAM : ISLAM POSTMODERNE








Accès direct à l'ensemble des articles منفذ مباشر إلى مجموع المقالات
(Voir ci-bas انظر بالأسفل)
Site optimisé pour Chrome

vendredi 6 février 2026

Res publica 9

تهافت رعاية الفكر الحر 

(من واقع الحال والمقال التونسي)


هذا الكلام لا يهم بالطبع إلا من يسعى جاهدا -أو هو يدعييه- رعاية الفكر الحر وخدمة أهله في بلاد، بل عالم، طغت فيه بلادة ما يمكن نعته بالأكلة الفكرية السريعة cutural fast food. والكلم ذا يتبع مع سبق لي أن كتبت في الغرض وذكرت أيضا هنا في حديث شهر سبتمبر من العام المنقضي، الذي أتي عنوانه: « من وحي واقع النشر البئيس بتونس»، وهو الحديث عدد 83 في الخامس من ذاك الشهر. لذا، من ليس همه إلا التجارة الرخيصة من الناشرين مثلا، فالكلام غير موجه له، إذ لا يمكننا إلا القول أن يكون الله في عونه في كسب عرق جبينه بمثل مهنته هذه، علي أن تكون له النزاهة في القبول بتوصيفها كما هي، أي مجرد تجارة لكسب الرزق لا لرعاية الفكر؛ إذ هي عندها لا ترتقي إلى مستوى الأكلة الفكرية بما أنها مجرد وجبة وضيعة لسد الرمق junk food ما يقابل بالفرنسية تعبير malbouffe أو camelote alimentaire. 

على أنه، للأسف، غدت هذه حال غالبية أهل النشر عندنا في البلاد، كما هو التوجه المتزايد في عالم النشر بالعالم طرا حيث استشرت عادة عقد الكاتب فطغت على آلأصل وهو عقد الناشر، أي أن يتكلف الناشر بكل تكلفة نشر الكتاب دون أي مساهمة من الكاتب. هذا أصبح تقريبا مستحيلا، إذ في أفضل الحالات يكتفي الناشر بفرض أن يقتنى الكاتب من إصداره عددا معينا من النسخ مع خصم ثلاثين بالمئة على الأقل لمجابهة مصاريف النشر المكلفة. على أن أفضلهم يكتفي بذلك فلا ينتقص أي شيء من حقوق المؤلف أو واجبات الناشر، مثل أن يدفع له ومنذ أول كتاب يباع حقوقه كما أن لا يتوانى في التعريف به لدي القراء وعلى أهم منصات البيع، ما لم يعد يفعله أهل النشر كتجارة لسد الرمق أو الربح على حساب الكاتب.

في خانة ثيمة النشر الأصيل، أي رعاية الفكر الحر، نظرا لبلوغ الزبي سيل النشر التونسي في واقع حاله ومقاله، ومن قناعتي بواجب كل مفكر حرّ عدم الصمت وإلا ساهم موضوعيا فيما يحاك ضد هذا الفكر الذي وحده فيه الخلاص من التخلف الذهني الرهيب وقد أصبحت ترتع فيه البلاد، أوجه رسالتي المطولة الموالية عشية الاحتفاء السنوي للمؤلفين، سنّة مدينة صفاقس التي لها أن تفتخر بها، إلا أن في خطر داهم صارت روحها الأصيلة كأداة لرعاية هذا الفكر الذي لا مجال لصنصرته، حسب تعبيرنا المغاربي، أو العمل على مراقبته لتغييبه في المسكوت عنه الذي يزخر به فكرنا العربي الإسلامي، ما أدّى إلى اندثار حضارته العلمية والعالمية.   

I

رسالتي إلى المندوبية للجهوية للثقافة بصفاقس بمناسبة الاحتفاء السنوي بالمؤلفين لسنة 2025  

العودة إلى الأصل فضيلة: 

نداء للعودة إلى أصل الاحتفاء بدون ما شابه أخيرا، بدعوى الحوكمة، من تقزيم للفكر الحر


رسالتي هذه إلى السيدات الفضليات والسادة الأفاضل، أصحاب المسؤولية مع أهل الحل والعقد في وزارة الإشراف تأتي على مشارف الاحتفاء السنوي بمؤلفي صفاقس ومن موقعي كمؤلف ملتزم بالفكر الحر وحريص على كلمة السواء في زمن كثر في اللغط فتفشت اللخبطة القيمية مع ما يتبعها من نفاق متسربل بالعلمية وليس هو في أفضل حالاته سوى علومية، متوجة جزافا بهالة الأخلاق والحوكمة الرشيدة في ما لم يعد عندنا، بل وفي العالم طرا، إلا هذا االباطل المنكر الذي يراد به غصبا حقا لا يختلف في مخاتلته لا الإنس ولا الجان ممن حسنت نيته والتزم بالأخلق الأصيل في كل شيء وحتى على النفس!

ذلك أن سنّة الاحتفاء القديمة في عاصمة الجنوب قدم رسوخها في التمسك بالعادات النفيسة من مكارم الأخلاق في ثقافتها، والتي كانت تحتفل سنويا بكل ما يّنشر من طرف بنات وأبناء المدينة المنتسبين إليها بدون أي مانع غير وثاقة علاقتهم وتعلقهم بمدينتهم، أصبحت -باسم تزكيتها- تهدر كل ما في روح الاحتفاء من حسن وإحسان؛ فهي اليوم في أربعينيتها ضحية التمشي المعتمد منذ مدة وجيزة باسم النجاعة والفاعلية ورعاية الفكر وأهل الإبداع بينما ليس هو إلا النسف الخفي لكل ذا ومن الأساس.

حسب التمشي الحالي والذي لم يكن له أي سبب منطقي مقنع، لا يُحتفي اليوم بكل ما ينشر ويعرضه أصحابه على المندوبية، بل ما توافق عليه لجنة تحكيمية تكوّن بالمناسبة. ولعله لا ضير في ذلك لو أن تكوين اللجنة أتى مضبوطا بأسس موضوعية وعلمية تضمن احترام الفكر الحر والإبداع الصحيح والذي لا يندرج في خانة المعروف من التوجه النمطي أو الدغمائي للفكر؛ وللأسف لم تكن كذلك حال التوجه الجديد منذ انطلاقه، وحتى بعد الدعوة إلى تلافي هناته كما يأتي أسفله بيانه.

ثم إن الاحتفاء كان المناسبة في أن تقتني المندوبية عددا من نسخ الكتاب المحتفي به دون أي قيد أو شرط سوى نشره من طرف صاحبه، عن طريق ناشر أو على حسابه الخاص، ما يمكّن الكاتب من الحصول على دخل يوازي بيع ما يساوي 200 دينارا من كتابه الذي تقتني المندوبية نسخا منه. هذا لم تعد تقوم به المندوبية بما أنها تكتفي بتنظيم ما ينعت باللقاء الحواري مع صاحب الكتاب لاحقا، لعل فيه إمكانية عرض الكتاب وبيعه؛ ولكن ليس هذا من المضمون حتما. كما أن تنظيم اللقاء ليس بالسهل عندما لا يخص الكتاب المعروف مما ينشر والمعتاد من الفكر، فلا تتلقى المندوبية العروض لتنظيم اللقاء، ويمر الوقت طويلا قبل أن يتمم تقديم الكتاب المفروض تقديمه في السنة الموالية للاحتفاء به.  

أمّا التقييم، فليس هناك اليوم ما يضمن موضوعيته إذ لا تتدخل المندوبية في طبيعته مكتفية بضمان أنه من لجنة لا دحض للدرجة العلمية لأعضائها؛ وهذا لا يكفي طبعا للنأي بأحكامها عن كل ما يعارض الفكر الحر بتعلات نمطية، ما من شأنه أن يعارض فلسفة الاحتفاء ويقدح في روحه، كما أنه ينقض واجب المندوبية في رعاية الفكر، كل الفكر الحر بأنواعه، خاصة الجريء منه الذي يحلق خارج سرب الدغمائية فيستحق حتما التشجيع بل ويتطلب الرعاية أكثر من غيره إذ فيه دوام التجدد والتجديد للفكر وفتوحاته الذهنية والثقافية.

ذلك أنه، بمناسبة عملية التحكيم، لا شيء اليوم يمنع لجنة التحكيم، رغم أنه لا يشك في القيمة العلمية لأعضائها، أن يفرض بعض أصحابها وحسب اختصاصه رؤاه غير الموضوعية والموسومة بالتجنّي غير السليم على الابداع الفكري؛ وليس هذا ضرورة بدعوى البدعة -وقد تهافتت اليوم- بل بتعلات غيرها لا صفة موضوعية لها، إذ هي علومية فحسب، مثال ذلك ما يذكره النموذج أسفله لاحتفاء سابق كرفض التعبير غير النمطي من أسلوب صحيح فيه تأدية أفضل للمعنى، وأيضا التشكيك في صحته، بل وفي عدم احترامه لقواعد اللغة، كل القواعد بما فيها البديع البلاغي الذي يغيب اليوم عموما على أهل العربية من طرف من اعتاد تهجينها، كالذي همه احترام قواعد النحو بصفة آلية فجة عوض تكريسها لفهم المعنى وحمايته من التصحيف أو التحريف؛ بينما لهذا استنبطت تلك القواعد!

وبما أنه لا علمية في الكلام إلا بمنهجية التدليل والتجربة، فأنا أستند هنا، للتأكيد على موضوعية نقدي لتجربة لا بد من اعتبار فشلها في رعاية الفكر الحر، على تقرير سبق أن قدمته إلى المندوبية منذ سنتين تقريبا وذلك تقييما لاحتفاء سنة 2023، عرضت فيه لهنات شابته مقترحا لا التخلي عن التوجه الجديد بل تحسين مروده بالعمل ببعض المقترحات الوجيهة؛ إلا أنها لم تؤخذ للأسف بعين الاعتبار.

لذا، ما الفائدة في مواصلة تجربة فيها استعمال المال العام في غير مظانه بما أنه يثيب أعمال لجنة لا تثمن الفكر، كل الفكر، بل تقزمه بطرح الأفضل منه وفيه وعدم استعماله كما كانت الحال لدعم أصحاب الكتب المحتفى بها طالما أنه اليوم لا يتم الاحتفاء بكل ما ينشر في صفاقس، وخاصة ما يخالف المعروف والمعلوم سواء من الفكر أو من التعبير النمطي 

وبما أن دور المندوبية والاحتفاء السنوي الدأب على رعاية الفكر، كل الفكر وخاصة تجلياته المنكوبة اليوم، أي الكلام في المسكوت عنه أو في المرفوض سياسيا أو دينيا، ونظرا لعدم أخذ المندوبية بما قدمته لها من نصائح، في التقرير سالف الذكر، من شأنها تزكية عمل لجنة الحوكمة في التمشي الحالي، قررت نشره للإفادة والشهادة، وهي الإتيان بالخبر القاطع؛ فلعل دار لقمان لا تظل على حالها. وبما أن أضعف الإيمان في تغيير ما فسد الجرأة على نقده، نجد التقرير كاملا في حديث الجمعة لهذا الشهر؛ ولا شك أنه من الصدفة الموضوعية، حسب تعبير السرياليين، أن يأتي الحديث هذا الشهر مساء انعقاد احتفاء هذه السنة المقرر يوم غد السبت السابع من فيفري 2026.

 II

نمودج حي من تهافت التمشي 

المستحدث لحوكمة الاحتفاء

لئن استعملت في عنوان الحديث تعبير التهافت لكتاب فلسفي شهير فذلك لأنه يُقصد به سقوط أو تضعضع وضعف الحجج التي كانت سببا في نبذ التمشي المنتهج منذ إرساء الاحتفاء، كما قصد ذلك فيلسوفنا الغزالي بخصوص آراء الفلاسفة المشائين المسلمين، مثل ابن سينا والفارابي، في مسائل عدة، عقائدية وميتافيزيقية خاصة لبيان عجز الفلسفة عن بلوغ اليقين في الأمور الإلهية أو الماورائية. فالتمشي الحالي للاحتفاء بالمؤلفين بصفاقس لا يخدم الفكر الحر والمبدعين فيه بدعوى خدمة مصالحهم مع حكرها على من لا يمتهن مثل ذلك الفكر الجريء الذي يستحق الدعم أكثر من غيره. وكما فعل الغزالي، نأتي بالأدلة في دحض دعوى التمشي الحالي في خدمة الثقافة ورعاية مصالح أهلها كلهم لا نخبة منهم. علما، كما أتى في رد ابن رشد في «تهافت التهافت» أن الحق لا يضاد أبدا الحق، ذلك أننا لا ننكر أن يكون لمنطلق التمشي الجديد البعض من المعقولية إلا أن يتم تزكييته بالأخذ مثلا بما أتيته من مقترحات لا تهضم حق أي مبدع في هذه المدينة. مع الأمل أن تكون هذه الرسالة، كما كان كتاب الغزالي، فاتحة لتحول منتظر في سياسة التعاطي مع الفكر الحر وحوكمة الثقافة الجريئة عموما، فتكرس انتصار التوجه العقلاني العلمي النزيه لا ما نراه من حوكمة تطغى عليها منهجية علومية نمطية أكل عليها الدهر، ولا يزال يشرب للأسف عندنا!    

هذا إذا التقرير الذي كنت وجهته لحضرة السيد المندوب الجهوي غداة الاحتفاء لسنة 2023.  


قرقنة في 25 فيفري 2024

السيد محمد الخراط

المندوب الجهوي للشؤون الثقافية بصفاقس


 الموضوع: تقريري وملاحظاتي على تقارير لجنة قراءة الكتب المشاركة في الاحتفاء بالمؤلفين لسنة 2023، حول كتبي الثلاثة المعروضة عليها

 المرجع: رسالتي بتاريخ 26 ديسمبر 2023 ردا على كتبكم بتاريخ 21 من نفس الشهر تعقيبا على رسالتي المؤرخة في 4 من الشهر ذاته 

 المرفقات: تقرير [مرقّم (ب)1 - (ب)14] لأجل تزكية التوجه الجديد لسنّة صفاقس في الاحتفاء بكتابها مع ضمان ميزتها كدعم هام للفكر الحرّ، من خلال تقويم كتبي المعروضة للاحتفاء الأخير. سيّدي المندوب الجهوي،


سيّدي المندوب الجهوي،

بعد تجديد التحية والشكر الجزيل لحرصكم وأعضادكم بالمندوبية على دوام التواصل بينكم وأهل الثقافة عموما، أرفع للجنة القراءة، تحت إشراف حضرتكم، تقريري في الملاحظات بخصوص عملها فيما تعلق بكتبي التي تم قبول أحدها دون اثنين للاحتفاء، وذلك كما تعهدت به رغم شدة ضيق الوقت.

ذلك أنه، للأسف، لم يتم الاحتفاء هذه السنة كما كانت العادة، أي في نطاق فكر حر طليق، بما فيه من معرفة جديدة جريئة. فعدا رواية قدمتها من هذا القبيل، تم طرح دراستين في نفس الجرأة والنمط الفكري التجديدي: إحداهما مقاربة طريفة للتصوف الإسلامي، والأخرى من الكتابة النضالية الفكرية، لا الأكاديمية كما عيب عليها، بخصوص موضوع المثلية الحساس، المسكوت عنه عموما.  

وكما سبق أن بينته، هذا البادرة مني تتنزل في خانة الرابطة الوثيقة بين المندوبية وكل إطاراتها ومجموع مؤلفي الجهة، التي كرستها دون أدنى شك سنّة الاحتفال السنوي ودوامها إلى اليوم رعاية للأدب وأهله، بل وللإبداع فيه نظرا لبقائها متفتحة على كل إصدارات الجهة.

لا جرم أنّى لم أكن أخصص مساحة من الوقت الثمين لمثل هذا الواجب الثقافي لو لم يأت التوجه الجديد للاحتفاء بلجنة مخصصة لتقييم الأعمال المعروضة فقبول بعضها دون غيرها خلافا لما جرت به العادة الحميدة. وبما أن مثل هذا التوجه في خطواته الأولى، فهو يحتاج لمزيد الإحكام. وقد تم التنصيص على ذلك من طرف اللجنة نفسها في التقرير المقدم يوم الاحتفاء، مع ضرورة بيان الضوابط التي لا بد من اعتمادها في المستقبل. وفي رأيي، من بينها الحفاظ على روح الاحتفاء المتمثلة في التشجيع على الإبداع وحمايته من كل نزعة لخصيه بتعلات واهية، باسم ميزات تحكيمية عامة مثلا، لا مجال لها بالضرورة في تظاهرة عمومية كالاحتفاء الذي شرّف عاصمة الجنوب منذ اعتماده.

لذلك، من المفترض، نظرا للتوجه الجديد للتظاهرة في عدم الاحتفاء بمنشورات كتّاب صفاقس طرا، إنما فقط ما توافق عليه «لجنة قراءة وتقويم»، مكوّنة خاصة من أكاديميين، لا دخل للمندوبية في عملها - من المفترض ألا يكون قول اللجنة الفصل، بل مجرد اقتراحات تبتّ فيها المندوبية حسب مقتضيات عملها في رعاية الثقافة. هذا من شأنه تفادي أن يقع استثناء بعض الأعمال الإبداعية لا لشيء إلا لأجل نظرة نمطية للكتابة والدراسة ترفض تعاطيهما بصفة تجديدية، أو هي لضيق الوقت للتمعّن الموضوعي في قيمة الجرأة فيها؛ وهي مما يستنكف عادة أوّل الأمر، وبالأخص جرّاء قراءة متسرعة، إن لم تكن سطحية لبعض الأعمال ككتابي في المثلية وموقف الإسلام منها ومقاربتي غير المسبوقة للصوفية. 

هذا، وعند مشاركتي في الندوة الفكرية التي واكبت الاحتفاء في سرباله المحدث، كنت اقترحت من بين التوصيات، بعد تثمين التوجه الجديد، إعادة النظر في طريقة عمل لجنة التحكيم حتى لا تأتي منها أي «صنصرة» أو حجب للفكر الحر، ما يخالف طبعا روح التظاهرة ودور المندوبية. بذلك لا يفتح أي مجال لما يسعى إليه، بصفة واعية أو غير واعية، خاصة بصفاقس، بعض أهل التحجر الفكري، رفضا لكل تفكير متحرر من القيود المجحفة التي تكبله مانعة بزوغ المعرفة الجديدة التي نعمل لها، وتستحقها بلا مرية البلاد وأهلها، بل الثقافة العربية الإسلامية التي كانت حضارة تنويرية قبل التنويرية الغربية. 

مثال ذلك: أن يتم، في مرحلة أولى من التحكيم، قبول ما توافق عليه اللجنة ثم، وفي مرحلة ثانية تسبق الإعلان النهائي عن الكتب المقبولة للاحتفاء، تبليغ أصحاب الكتب المرفوضة تقارير اللجنة للرد ومناقشة ما تعيبه في العمل، إن رغبوا في ذلك، أو للاستفادة منها عند إصابة التقويم. أمّا إن ناقش المؤلف صحة الملاحظات وبيّن بالدليل إجحافها (كما أنا أفعل هذه المرّة)، تأخذ اللجنة بالطعن فتعيد التقييم جماعيا إنصافا للكتاب المرفوض ولصاحبه، مع إمكانية استدعاء المعني بالأمر للاستماع إليه ومناقشة طروحاته إن أُقرّ التقييم المطعون فيه. 

قناعتي أن مثل هذا التمشي من شأنه الإفادة بخدمة الفكر دون إقصاء مع دعم دور المندوبية الأثيل في رعاية الثقافة وأهلها ومن له الجرأة على الإبداع؛ فليس من السهل اليوم التحليق خارج سرب الدغمائيين وقد هيمنوا على فكر عربي تحجر وطمست أنواره. فهذا هو التخلف العربي الإسلامي الذي نعاني منه، وسببه ليس فقط انعدام الديمقراطية، كما قلته في تعليق لي خلال التظاهرة، بل للخبطة قيمية نعيشها لأجل حرص البعض عليها من نخب لا وعي لديها بتداعياتها المشؤومة. علما وأنها تنبع أحيانا لدى بعض تلك النخب عن حسن نية ووازع أخلاقي لا نشك فيه البتة؛ إلا أنه، كما قال أهل الحكمة الأوائل: من العدل المغالى فيه ما يأتي بأتعس الرهبوت والجبروت. 

تقريري المرفق بهذه الرسالة، وإن ارتكز على المثال الحي في هنات تقييم كتابيّ، غايته أساسا المساهمة في أن يكون لبنة لمستقبل واعد للتجربة الجديدة تضمن استدامة التطلع للأفضل، إذ لا يكون إلا بدعم الإبداع، بما أنه لا يتناغم دوما، ولا ضرورة، مع تحكيم نمطي لا يأخذ بعين الاعتبار معياره المتحتم.

فكما يبيّنه التقرير، شاب تقييم اللجنة لكتابيّ المرفوضين للعرض بعض التجني على ما أمتهنه -سواء في الشكل أو المضمون- من تجديد في الكتابة من باب الفكر الحر الذي أسعى لإحيائه بكل ما أكتب والمتعلق بالمسكوت عنه في ثقافتنا. فأنا ممن يؤمن بالعمل الدؤوب على خدمة ثقافة متحررة من كوابل الجمود المانع لكل تقدّم، وهو واجبي قبل المطالبة به كحقي في الإبداع. 

لذا، أعيد التأكيد أن تقريري لا يتنزل في خانة الانتصار لكتابيّ، بل هو أساسا لدعم رعاية الإبداع الذي يستحق كل الاستحقاق ألا تنفك المندوبية عن الدفاع عنه ورعايته. هذا يفرض عدم ترك المجال لأي لجنة قراءة تُغلّب فيها بصفة مباشرة أو غير مباشرة، واعية أو لاواعية، رؤيا تقزيمية لمهمّة الأدب الطلائعية، فالإجهاز عليها لاحقا. كذلك -وكذلك فقط- يبقى الفكر الحر في بلدنا حيا، ثقافة إبداعية ترعاها المؤسسات الرسمية في نطاق ما أنعته بالتجذّر الحيوي، ما يأخذ بالتليد من حضارتنا العربية الإسلامية دون رفض الطارف، موضوعا وشكلا.

لا غرو أنّ ديدن مندوبية صفاقس لَرعاية الفكر الحر، حرصتْ عليها دوما بكل مسؤولية، وتحرص إلى اليوم؛ لذا، أستغل الفرصة ذي لتوجيه الشكر لها مجددا ولكل أعوانها للحرص المستدام على التواصل المتين، لا فقط مع كتّاب الجهة، بل وأيضا بين هؤلاء واللجنة المكلفة بتقييم أعمالهم للاحتفاء الذي ينوي، في حلته الجديدة، تقديم خدمة أكبر لهم ولفكرهم. وأنا لا أشك في أنها لا تجهل، تماما كما أعتقد، ما في ابن آدم من نقص بطبعه، فلا عصمة له من الخطأ؛ ذلك أنّ من اعتد بعلمه هو ذو الجهل بحق، فالعالم لهو الجاهل الذي يتعلم دوما ومن كل الناس، لا يستحي أبدا من تغليب جهله على علمه.     

وفي الأخير، شكرا مجددا لكل النيات الطيبة وأهل الإبداع بالمندوبية الساهرات والساهرين على العطاء الأسنى في ربوع بلادنا، وبالأخص بعاصمة الجنوب التي كثر فيها اليوم، للأسف، الفكر -بل شبه الفكر- المتزمت الدغمائي.


III

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة السيدات والسادة:

أسماء البقلوطي، ثريّا بن عبد الله، 

حمادي ذويب، خالد الغريبي، صلاح الحضري ومحمد بن جماعة

أعضاء لجنة القراءة والتقويم لاحتفاء سنة 2023

تحت إشراف

 السيد محمّد الخراط 

المندوب الجهوي للشؤون الثقافية بصفاقس 


الموضوع: تقرير وملاحظات على تقارير اللجنة لأجل تزكية التوجه الجديد لسنّة المدينة في الاحتفاء بكتابها دون التفريط في ميزتها الأساسية كدعم هام للفكر الحرّ، من خلال تقدير كتبي التي عرضتها لاحتفاء سنة 2023.

المراجع: - بلاغ المندوبية بتاريخ في 14 جويلية 2023 

  - تقرير عام (في خصوص المؤلفات المحتفى بها) كما أتى في كلمة لجنة القراءة والتقويم يوم الاحتفاء

- تقارير لجنة القراءة بخصوص كتبي والتي أمدتني بنسخة منها مشكورة المندوبية باسم الوفاء لدورها الرائد في تمتين الصلة والتحاور بينها وبين سائر أهل الثقافة       

- كتب السيد المندوب الجهوي بتاريخ 21 ديسمبر 2023 ردا على كتبي في 4 ديسمبر 2023                

         - ردّي على كتب السيد المندوب الجهوي بتاريخ 26 ديسمبر 2023

الملحقات: مكتوب الإحالة [مرقّم (أ)1 - (أ)3] الموجّه إلى السيد المندوب الجهوي للشؤون الثقافية، سلطة الإشراف 

بين يدي التقرير

في كلمة المندوب الجهوي للشؤون الثقافية يوم الاحتفاء: «الاحتفاء بالمؤلفين... في حلة جديدة»، تأكيد على أّنّ «الحفل السنوي للاحتفاء بالمؤلفين تقليد ثابت وأصيل في ولاية صفاقس [...] ونريده في حلّته الجديدة بوّابة لورشات تفكير وحوار في كل ما يخص الكاتب والكتاب لمزيد التعريف والإشعاع [...]».  

في نطاق هذا التوجه الجديد، ولمزيد التفكير والحوار في كل ما يخص الكتابة، يتنزل هذه التقرير على تقارير اللجنة بخصوص مؤلفاتي الثلاثة المعروضة عليها؛ إذ، للأسف، لم يتم الاحتفاء بما نشرت، كعادتي في نطاق الفكر الحر والمعرفة الجديدة الجريئة، سوى برواية، بعد طرح دراستين هما «فصل الكلام في المثلية عند العرب والأمازيغ وحليتها في الإسلام»، وهو من الكتابة النضالية الفكرية لا الأكاديمية كما اعتقد ناقده، و«فلسفة السياسة الصوفية، الإسلام السياسي، إسلام السياسة وسياسة الإسلام»، مقاربة جديدة للتصوف خارج الخانة المتعارف عليها بخصوص هذا الإسلام النيّر. 

بادئ ذي بدء، لعله من المفيد التذكير ببعض خاصيات لغة الضاد، بله أهمها، ألا وهي الاتساع، إذ معظم بلاغتها فيه؛ كذلك صفة اللغة عموما كعلم المعنى، واللغة العربية لغة المعنى. لذا يتعيّن دوما للوصول إلى كنهها قراءة جملها بتمعن، إذ ليس فيها أخطاء عندها، بل مجرد تحرر من ربقة قواعد استنبطت لخدمة المعنى، والكاتب في غنى عنها إذا سلمت سليقته، يأتي معناه على أفضل الهيئة التي ينويها. خلافا إذن لما يعتقد من يزدري روح العربية، ليس علم النحو فيها أساس تميّزها وبلاغتها، فهو مجرد علامات لصيانة المعنى اختزلت من التمعّن في لسان أهل المدر، لا مشروعية لها البتة لاغتيال المعنى كما أصبحنا نفعل، ويا للأسف! ذلك أننا إذا أدركنا المعنى بسلامة انتفى لدينا دور القاعدة النحوية على أهميته بما أنه ينحصر في خدمة المعنى لا تزويقه، ناهيك تشويشه.

ولقد توسعت في الغرض ضمن سلسلتي للناشئة نادي الأصدقاء التي احتفت المندوبية بأجزائها الأربعة المنشورة بالعربية والفرنسية بتونس لدى دار تبر الزمان، منها بالأخص فائدة الجزء الأول حيث ذكّرت بمجهودات من نافح عن العربية وجاهد لتطوير النحو فيها، مثل إبراهيم مصطفى صاحب كتاب إحياء النحو الصادر في 1937؛ فليراجع.       

قبل عرض ملاحظاتي على التقارير أسفله، لا مندوحة من الإشارة إلى ما قاله  بعض أئمة الفكر العربي في لغتنا، مثل الإمام البقاعي، مشيدا بخصائص لسان العرب: «هو مع جمع اللفظ، وضبطه، وحفظه، وربطه منشور اللواء، منتشر المعاني لا إلى حدّ ولا نهاية وعدّ، بل كلما دقق النظر جلّ المفهوم» (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، 17|136)، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة)، أو العلاّمة الرافعي الذي يطري «ما ركبها به [العربية] من المطاوعة في تقلب الأساليب وتحويل التركيب إلى تراكيب» (تاريخ آداب العرب، (2\74)، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2، 1974م).

ولا يخفى على أحد أنّ القرآن الكريم تنزّل على أحرف سبعة على الأقل، ومن بين   تفسيراتها أنها: لهجات العرب من إمالة وتقليل، وإدغام وإظهار، وغير ذلك. فالقرآن عندي، وعند أغلب علماء اللغة العربية إن لم أقل كلهم، لهو مفجر علوم العربية. ذلك أنهم عدّوها أداة فهم الدين ومعرفة مقاصد الفرقان وأحكامه، فمن ذلك رأوا، مثل ابن فارس، وجوب تعلمها وحذقها، بل رفضوا الكلام في الدين لمن لا يحسنها، فأصبحت المعرفة الجدية بالعربية من أوجب الواجبات بما أنّ القاعدة هي أنّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب!

هذا، وهل من الضروري التذكير بأن القرآن أتى بأسلوب لم يعرفه العرب لمتكلم قبله، توخى فيه اعتبارات لا تخضع لحصر، ولا تستجيب لرائد من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وحذف وإثبات، وفصل ووصل، إلى غير ذلك مما يسمّيه البلاغيون مقتضى الحال. طبعا، كان ذلك لمهمة الإقناع بالقضايا العقلية المنطقية، ولفت النظر إليها على أشكال مختلفة: في إيجاز طورا وإطناب تارة، وتوسط أخرى، وضرب الأمثال، وقياس الغائب على الشاهد، دون التردد في الإتيان بمعان جديدة وأغراض أجدد بلا حصر، من مجازات واستعارات وكنايات وتعابير لم يعرفها العرب ولا دونتها لغتهم.           

لقد نمّى القرآن لغة الضاد، مثريا لا محالة الأسلوب المستعمل فيها، أي هذه الصورة اللفظية كوسيلة لتأدية المعنى إلى النفس والواسطة بين المتكلم أو الكتاب والمستمع أو القارئ. هذا الأسلوب، كما علمنا، يأتي على أنواع ثلاثة: خطابي، أفضل ما امتاز به العربي، وأدبي، عرف عهده الزاهر في عز الحضارة العربية الإسلامية، وعلمي منطقي، الأسلوب الشائع اليوم. ولئن كان الأسلوب الأدبي أشد الأساليب حاجة إلى البلاغة كميزة كلام الفصحاء، فالأسلوب العلمي المنطقي، وهو المعتمد في الدراستين، يسهر أساسا على إيضاح الحقائق من أيسر السبل وأقربها، همّه المعنى، مع أنه لا ينعدم جمالية تظهر بيّنة في المنطق منبثا في تضاعيفه وفي تخير الكلمات واضحة الدلالة على معانيها.  

لذا، إنه من باب القشة التي تقصم ظهر البعير، كما نرى أسفله بتتبع مآخذ اللجنة على أسلوب الدراستين، غض الطرف عن المعاني لانتقاد ما عدّ هنات نحوية أو لغوية لا ضرر فيها البتة على المعنى، إضافة إلى أنها غير صائبة لا نحويا ولا لغويا؛ وإلا لما سلم كلام الله من تهمة مخالفة القواعد النحوية! هذا ما حتّم عليّ نقد نقد اللجنة إذ فيه«واو» كما قيل، أي أخذ وردّ وتنوع في التأويل، كلها بلا سند صحيح ووجه غير مرفوض في أسوأ الحالات؛ فهي إلى الدردشة أقرب منها إلى النقد الهادف، ساهية عن المعاني، صارفة الاهتمام إلى زخرف القول وما تمّ اجتراره من المعرفة. 

فالحرف السابع والعشرين من الحروف الهجائية ذا يلخّص تنوع لسان العرب، إذ هو من حروف المعاني، والواو أصناف: قَسَم وعطف وحال واستئناف، إلخ. ولها التأثير على الكلمة التي تتعلق بها، سواء كانت حرفا عاملا أو غير عامل، تنصب عادة في حال المعية وتجرّ في حال القسم تارة، وهي تارة أخرى مرفوعة في حال العطف والاستئناف والحال وضمير الذكور والجماعة وغيرها. لهذا تختزل الواو البعض من الاتساع المهول للعربية الذي يغيب عن البعض منّا. وتلك حال عديد حروف العربية الأخرى، إن لم تكن كلّها، الأمر الذي حمل بعضهم على عدّها مادة مرجعية لتعلّم وتعليم النحو. يُنظر مثلا في الغرض الدراسة الجامعية «معاني حرف الواو في سورة الضحى إلى سورة الناس واستخدامها في تعليم النحو»، التي نوقشت سنة 2021 في جامعة سلاتيجا الإسلامية الحكومية بأندونيسيا، بكلية التربية الإسلامية العربية وعلوم التدريس، شعبة تدريس اللغة العربية، من طرف مفيد خير المنى بإشراف برهان يوسف حبيبي الماجستير. 

ما سبق، لا مرية، من شجون الحديث، إذ أنّي أعيد التأكيد، قبل المرور إلى ملاحظاتي النقدية حول تقارير اللجنة، أن ليس فيها إلا هاجس النفع للفكر الحر يكمل به النفع بالجهد المتواضع الذي أبذله في كتاباتي، فهي كلها موصودة لمثل ذا الفكر. لهذا خير الختام للمقدمة المطوّلة هذه التذكير بمقولة السلف الصالح في أنه لا ينال العلم مستحي ولا متكبّر؛ وتبقى قناعتنا، أبد الآبدين، ما ورد في نهج البلاغة بتصرف أنّ العالم جاهل بحق إن ظنّ أنه علم.    

وهذا ردّي على تقارير اللجنة وهو من النقد للنقد المعروف جيدا في ثقافتنا أيام ازدهارها: 

نقد نقد تقارير اللجنة

(ملاحظاتي بالخط الغليظ)

1

«أنا ضحية الزطلة»

رواية

الكتاب الوحيد الذي أجازته اللجنة، فلا نقد فيه لإصابته في التقييم؛ وقد ورد في تعليقه ما يلي، نورده إذ يلخّص أهم سيمات كتاباتي أيّا كان نمطها:

«هي رواية جريئة تحاور موضوعات مسكوت عنها من قبل الزطلة والعلاقات المثلية وغيرها وتكشف خور التشريعات وأثرها على الفرد الذي يصبح ضحية لقوانين جائرة تحرم الإنسان من حقه في حياة متوازنة وحرة. هي رواية تجمع بين السرد والتقرير والتعليق تنهض على تقاطع ألوان الخطاب وتعدد الأصوات [...].»

2

«فلسفة السياسة الصوفية. 

الإسلام السياسي، إسلام السياسة وسياسة الإسلام»

دراسة

الكتاب الأول الذي وقع رفضه، وهذا الأمر فيه «إنّ»!

فقد ذُكرت الدراسة ضمن الكتب المجازة في تقرير اللجنة العام كما وردت في كلمة لجنة القراءة والتقويم يوم الاحتفاء، بينما رفض التقرير عرضها للاحتفاء (انظر أسفله).

يرى صاحب التعليق وجود هنات صنّفها كما يلي، نوردها مع تعليق موجز:

أ) اللغة:

1 - الاعتراض على استعمال بعض التعابير: 

* «الوجود المجتمعاتي» عوض المجتمعي الذي يراه أصح، بينما لكل تعبير معناه. فلعله لا يعرف المعنى الأصيل لكلمة مجتمعاتي socialité كما فرض نفسه في علم الاجتماع! 

** استعمال «ذي» عوض «هذه» في تعبير «على البسيطة ذي»، وليس لهذ الاعتراض أي مغزى سوى الخيار الشخصي الذي لا مجال له في التقييم.    

*** رفض تعبير «لعقليي الإسلام» لصالح استعمال «للمفكرين العقلانيين»، وهذه نمطية فجة إذ تفرض تعبيرا من المتعارف عليه على غيره بلا سبب سوى التمسك بالمألوف واعتبار كل ما خالفه منكرا. ولَهذا من التحجر اللغوي المقيت!

**** رفض «أصدروه للغرب» لصالح «صدروه»، وليس ذا ضرورة من الفصاحة، ففعل أصدر بمعنى أنفذ وأذاع ونشر ووزع وغيرها من المعاني الكثيرة، منها القريبة لما نجده في فعل صدّر الذي يختص بمعاني قليلة: أرسل وقدّم.       

***** اعتبار عدم جواز استعمال تعبير «لا يختلف الأمر لبقية الملل والنحل» إذ يرى ضرورة إضافة «بالنسبة إلى» قبل كلمة بقية عوض «لبقية». وهذا من باب التمسك بالتعابير النمطية التي يرفضها الكاتب إذ فيها التقزيم الكبّار لأهم ميزة في العربية، ألا وهي اتساعها. فلو قلبنا التعبير وكتبنا مثلا «لبقية الملل والنحل، لا يختلف الأمر»، هل كان يرفضه؟ كفانا ظلما للغتنا وبلاغتها وهي في جواز حرية التعبير طالما سعى في رعاية المعنى الأفضل! 

2 - التصريح بوجود كثير من التعابير غير الواضحة في نظره، يذكر منها: 

* التعبير الصوفي المشهور: «فهو هو لا هو كما هي هو لا هو»، وليست هذه الملاحظة إلا من باب عدم التمعن في القراءة وفهم النص وروحه؛ فالتعبير الوارد بالصفحة 11 يحيل إلى كتابات الشيخ الأكبر الصوفي ابن عربي المذكور في بداية الفقرة، وهي الأولى من توطئة في الصوفية عموما؛ فهل يُستغرب هذا أم يُستغرب الجهل بالمقولة وعدم الاجتهاد في تبيّنها، خاصة وأنها مدار الكلام وموضوع الكتاب؟  

** التعبير التالي: «إذ لا يعدو أن تكون تجليات الحق إلا أعراض الجوهر»، وهو بالصفحة 13، ويحيل أيضا إلى بعض جوانب روح الصوفية، أي لبّ الدراسة، فكأن المعلّق تسرّع في التصفح أو القراءة فلم ينتبه إلى ذلك، وكأنه ليس بصدد مطالعة مقاربة متجددة للصوفية! 

*** اعتبار عبارة «علم الاجتماع الفهيم» غير واضحة، بينما ليست هي قضية وضوح بقدر ما هي معرفة ودراية بتوجهات علم الاجتماع اليوم، فالفهيم هو المفهوم، المدرك، الشامل، الجامع؛ والتعبير راسخ في علم الاجتماع الحديث، يقابله بالفرنسية sociologie compréhensive.       

ب) الأفكار:

1 - يرى المعلّق غياب توثيق الأفكار في عدّة مواضع؛ يذكر مثلا الصفحة 35 بخصوص مقولة عمر بن الخطاب في سياسة العرب متسائلا «أين قال عمر هذا الرأي؟». فلو كانت القراءة متمعنة لما فاته الرد والتوثيق فهما بالصفحة 18، الفقرة الأخيرة من الصفحة، في نطاق الحديث عن المعنى اللغوي للسياسة!

2 - يعتبر الكثير من الأفكار غير قائمة على سند منطقي صحيح (هكذا!). وهو يسوق كمثال على ذلك، من الصفحة 52، استنباط تعبير التدعش، أي الانتماء إلى الفكر الداعشي، من الدعدشة محاذاة للدردشة ولا علاقة لهذا الاستنباط بالجذر المختلف. لقد غاب عنه أن ذاك ما جهله الكاتب كما ظن، إنما تصرف بحرية في لغته لأجل الإبداع، وذا ما يرفضه مطالعه للأسف. ولعل المؤسف أكثر أن الكاتب بيّن هذا بنفس الصفحة، في الفقرة الثانية، إذ ورد فيها ما يلي: «هذا ما أسمّيه الدعدشة، وهي التدعدش، أي الداعشية الزاحفة مقنّعة، وهو التدعّش، حسب قواعد اللغة، إلا أنه تعبير مستنبط باسم اتساع العربية، مأخوذ من الدردشة التي معناها، كما نعلم، اختلاط الكلام وكثرته؛ وهو في أحسن الحالات الحديث الخفيف في أمور شتى. فمنه إذن الدعدشة والتدعدش، أي التدعش والداعشية، بمعنى اختلاط إسلام الناس وكثرة الكلام الباطل فيه.  وهذا الاختلاط هو أيضا بالمعنى النفساني للكلمة، أي المرض العقلي المعروف.»        

3 - من أهم الادعاءات الخاطئة اعتبار أفكار الكاتب قطعية واتهامه بدعوى امتلاك الحقيقة باعتبار أن ذلك يخالف الفكر الحديث المتّسم بالنسبية. إن في هذا الكلام الدليل على عدم مطالعة ما يقوله الكاتب في عديد المواضع من الدراسة، منها ما ورد بالصفحة 13 حول طبيعة الحقيقة العلمية اليوم، حيث بيان أن الحقيقة غاية لا تدرك وإن توهمنا العكس (الفقرتان الثانية والثالثة بالأخص)! فأين مخالفة الكاتب للنسبية الفكرية؟

4 - من الأخطاء في التأويل التعليق على قول الكاتب بضرورة الأخذ في فهم القران بالقراءة المقاصدية، وهذا ما يجمع عليه أهل الإسلام اليوم، إلا المتزمتين منهم! فهو يرى أن ذلك من باب الاجتهاد فحسب «ولا يعد صحيحا لأن القراءة المقاصدية وقع نقدها في عدة دراسات». بيّن هنا تناقض المعلق الذي، من ناحية، يقرّ بالنسبية في الفكر، ومن ناحية أخرى، يرفضها فيما خص التأويل الأصح في الإسلام، أي المقاصدي. فهل هو من أهل القراءة المتزمتة لدين القيّمة، هذه التي جعلت منه دينا ظلاميا بعد أن كان تنويريا؟    

ج) قائمة المصادر والمراجع:

الملاحظة على امتزاج المصادر بين مراجع قديمة وحديثة. ولا معنى لهذا النقد بما أن الموضوع محل الدراسة من القديم الحديث، ثم، ليس المهم جدّة أو قدم المرجع المذكور، بل ما فيه من فائدة.  

د) الهوامش:

يعتبر المقيّم للدراسة تضمّنها لعدد قليل من الهوامش. ويتهم مجددا الكاتب بأنه يكتب دون توثيق آرائه. وهذا غير صحيح؛ إذ تم توثيق كل فكرة متعلقة بغرض الكتاب، خاصة وأنها أتت برؤية متجددة ناقضة لفهم للصوفية فرض نفسه في الإسلام.  ففي أكثر من نصف الدراسة (42 صفحة على الأقل) هامش على الأقل لمجموع صفحات الكتاب الذي أتى في 77 صفحة، علاوة على سجل المصادر والمراجع عربية وأعجمية وقد تضمن 17 صفحة. هذا يبيّن أن في الكتاب التدليل الكافي لكل ما أتي به من مقاربة تجديدية؛ وليس المهم في الإطالة إذ الأهم في التقليل مع التدليل الشافي؛ وكان الأمر كذلك! ويكفي الكاتب التذكير بأن الدراسة توسعت في مقالة طلبتها مؤسسة «مؤمنون» الشهيرة، تصدر في الجزء الثامن من مجموعة كتب متعلقة بالإسلام السياسي. 

هـ) الخاتمة:

- يرى المقرر أن الكتاب متعثر اللغة والتعبير، وهذا من الغريب منه، لعله يأتي لجهله بحرية الإبداع في العربية أو رفضه لاتساعها، ميزتها الكبّار؛ وقد تعرض الكتاب لهذه الخاصية في التوطئة، خاصة بالصفحتين 12-13. لكأن مقرّرنا لا يرى الفصاحة إلا في الالتزام بقواعد النحو المعهودة رغم أنها ليست ميزان بلاغتها وبديعها وإلا لتم طرح القرآن لمخالفته لعدد من قواعد النحاة. إذن، ليس هناك أي تعثر في الدراسة لا في اللغة ولا في التعبير، بل إبداع؛ وإنما التعثر في الفهم، أو هو في رفض الأخذ بالتجديد؛ وقد عهدنا هذا في ثقافتنا، حيث يقال لكل تحديث بدعة، بمعناها الفقهي، بينما هي أساسا مما يثمّن وينوّه به.   

- يكرّر المقرّر الادّعاء بورود الأفكار في الدراسة بشكل غير موثق أو غير واضح. وقد أتينا بالجواب الشافي أعلاه. فلعل الصحيح أن قارئ الدراسة لم يكن له الانتباه الكافي لا لأسلوبها المتجدد ولا لروحها الإبداعية. 

-  أفتى المعلق بأن الكتاب لا يستحق العرض، بينما سبق بيان أنه عُدّ ضمن الكتب المقبولة؛ هلا تمّ توضيح الأمر! فكما ذكرنا أعلاه، تمّ ذكر عنوان الكتاب مع ما وافقت عليه لجنة القراءة في تقريرها في حين أننا لا نجد أي كتاب بنفس العنوان أو ما يقاربه بين المؤلفات التي حظيت بالقبول. بحق، في القضية إنّ!      

3

«فصل الكلام في المثلية عند العرب والأمازيغ وحليتها في الإسلام» 

دراسة

الكتاب الثاني الذي وقع رفضه، وفي الأمر «واو»، حسب ما سبق القول في التوطئة لهذا الرد (ص [ب] 3)!

فكما يلي من الملاحظات، من الواضح أن الرفض ليس موضوعيا البتة بل لسبب أيديولوجي يتمثل في رفضه المبدئي لطرحه. نتبيّن أدلة ذا من خلال تقييمه الرافض لكل تجديد فكري شكلا ومضمونا.   

أ) تقديم الكتاب:

- يبدأ المقرر تقييم للكتاب بتقديمه شكليا، إذ يلاحظ انعدام وجود توازن كمّي بين مكونات الكتاب، وفاته أن هذه النظرة النمطية عديمة المعنى في الإبداع، خاصة عند الإتيان بالجديد من الأفكار المحلّقة خارج سرب الدغمائية السائدة. علما وأن الكتاب من الأدب النضالي لا الأكاديمي كما توهم مقيّمه أو أراده فقيّمه حسب قناعته تلك.

لذلك، علاوة على ملاحظة عدم التوازن بين الفصول، يرى أن الخاتمة طويلة ممّا يخالف العادة، وقد وضع الكتاب في خانة المعتاد من الدراسات الجامعية ساهيا عن طبيعته التجديدية وغايته النضالية.   

كما أنه لم يعر اهتماما لما وقع بالخاتمة التي لم تكن لمزيد التحليل بل التأكيد على النتائج بشكل تأليفي يغتزل الأفكار لتكون سلسة الاستعمال كسلاح نضالي لمن ابتغى الدفاع عن القضية مدار الدراسة، إذ تنعدم عادة في المجال العام الأفكار المتزنة التي أتت بها. لقد ورد بالحرف الواحد وفصيح العبارة في بدايتها بالصفحة 91: «هذه الخاتمة أردناها بمثابة المرافعة النهائية عن الحق في الإسلام في الجنس عموما، والجنس المماثل أو المثلي خصوصا، لعلها تفيد للمنافحة عن هذا الحق لكل المطالبين به... لهذا، لم نتردّد في بعض الإعادة لما فيها من فائدة...»  

أمّا بعد تقديم الكتاب، فالمقرر يقيّمه في الخانات التالية: 

ب) عنوان البحث:

- لا يتردد المقرر في إصدار حكم من خلال كلمة «فصل المقال» فيقول «الكاتب يعتبر بحثه قد فصل القول في موضوعه أي أتى بالحقيقة التي لا نقاش فيها، وهذا من قبيل الادعاء الذي لا ينسجم مع صفة الموضوعية التي تفترض في الدارس الجاد». هذا من الكلام الفضفاض الذي لا يتوقف عنده إلا الجاهل بكنه الأدب النضالي الذي يسعى للتجديد فيعترضه سدنة القديم بالنقد والتجريح. فهل فصل ابن رشد الكلام في غرضه وهو دائم النقض والتحليل والدراسة بالأخذ والرد إلى يومنا هذا؟ كيف يجهل المقيّم أن الفصل هنا من الجانب المنطقي والمبادئ المعتمدة، وهي طبعا غير مقبولة ممن يرفضها، كأن يسهى عن ماهية الدين الإسلامي كعدل وحقوق وحريات؛ وهو رأي المقرر، على ما يبدو.    

طبعا، نحن لا نقف عند التجنّي في الحكم على الكاتب بقلة الجدية لما فيه من مثال للحكم غير الموضوعي ولا الجاد الذي يتحدث عنه المقرر؛ فهل اطّلع، أولا، على الكتاب من ألفه إلى يائه؟ وهل قرأ، ثانيا، ما كتب صاحبه ويكتب في الموضوع وغيره؟ إن كلامه هذا من الأحكام المسبقة التي توحي بأنه لم يطلع بصفة حقيقية أو جدّية على الدراسة، ناهيك فكر صاحبها بالعربية والفرنسية.       

ج) لغة البحث:

- يعتقد المقرر أن البحث تتخلله الكثير من الأخطاء اللغوية يسوق منها على سبيل المثال، من الصفحة 84 «بتأثير ديني خارجي عن الإسلام مناهضا لنصه» مؤكدا أن الصواب هنا: مناهض. وفات المقرر أن تصويبه أتى حسب القاعدة النحوية، وليست هي الصحة الوحيدة لو انتبه إلى بلاغة العربية وبداعة معانيها، وأهمية كل شكلية دقيقة في الكتابة العربية، بما فيها علامات التنصيص، إذ ما كتب فيه كل الصحة. فليعد للآخذين بالعربية الأصيلة لا الهجينة، تلك التي لا تعترف إلا بالقواعد النحوية فحسب، وهي دخيلة على أصالة العربية كما هي في الفرقان! فليس في العربية أخطاء لغوية؛ إنما هي فقط مخالفة لقواعد نحوية لمن لا يعترف بسلطة النص على المعنى. ومن هؤلاء الكاتب الذي يدعو، مع العديد من مناهضي تحجّر لغتنا، للحدّ ممّا وصل إليه تسلط النحو وأهله. وهذا الآن التعبير كما ورد في الكتاب بعلامات التنصيص التي سها المقرر عن إيرادها: «هكذا إذن، بتأثير خارجي عن الإسلام، مناهضا لنصه الصريح وروحه المقدسة لحقوق المؤمن وحرياته، أقام الفقهاء...»     

- كذلك الشأن لما اعتقد المقرر خطأ، أي تخطئته لتعبير «لصفته كمجرد» معتبرا الصحة في قيل «بصفته مجرد»، وهذا من باب النمطية في التعبير واعتماد ما دأب عليه الناس واعتباره قبيحا وليس ذاك الفصيح، بل ما أدّى المعنى بدون أي لبس؛ فهل في التعبير المرفض أي إخلال بالمعنى؟ لم التضييق على حرية صاحب اللسان العربي البديع طالما ابتكر فوسّع اللغة حسب طلاقتها في رعاية المعنى الأصح؟     

د) منهجية البحث:

يرى المقرر جزافا أن أهم خلل في الشأن ذا اعتماد شواهد مع ذكر مصادرها دون توثيقها، زاعما أن التوثيق هو التزام الأمانة والدقة في الإحالة على معطيات طبع كل مصدر؛ ويستشهد على ذلك بالصفحة 89 فيها ذكر لكتب ثلاثة لم تتم الإحالة فيها لما اقتطف منها. كما يلاحظ غياب قائمة للمصادر والمراجع وكذلك تخريج الأحاديث النبوية مستشهدا في ذلك بما ورد بالصفحة 69.

أمّا الاستشهاد الأول فيخص مؤلفات أشهر من علم على رأسه نار، ما يضعف قيمة الاحتجاج بضرورة ذكر معطيات الطبع، وهي الآتية: «وفيات الأعيان» لابن خلكان، «سير أعلام النبلاء» للذهبي، «البداية والنهاية» لابن كثير. وأمّا الثاني، فيتعلق بمقولة للشافعي في عدم ثبوت ما نُسب للرسول الكريم من صحة تحريم اللواط، ولم يقع ذكر لأي حديث في الغرض بما أن الكاتب ممن يرون أنها من المنحول؛ وهذا من المنطق بمكان. وقد نصّ على هذا صراحة في فقرات سبقت، بهامش الصفحة 68، حيث استعرض بالمتن أهم الأحاديث المنحولة عند دعاة التحريم، مكتفيا بمن أخرجها مع الإحالة على كتاب آخر له فيه نصها كاملا. 

ثم هذه الملاحظات من باب اللخبطة المنهجية والقيمية، فالكتاب لا يتنزل في خانة المصنفات الفقهية الدينية كما أنه ليس عملا موجها لأهل الاختصاص الجامعي؛ فهو من الأدب النضالي، هدفه التعريف بقضية شائكة من المسكوت عنها ورفع مظلمة طالت، على حد السواء، الدين الذي أفحش بعض أهله في فهم أحكامه في الغرض، والأبرياء ممن يُظلمون بمقتضى هذا الفهم الخاطئ.

ولأجل صفة الكتاب هذه، لم يقع إيراد قائمة للمصادر والمراجع، خاصة وأن العديد من الإحالات وردت مباشرة في هوامش متن النص، فهناك هامش على الأقل في أكثر من نصف صفحات المؤلف، إذ تجاوز عددها جمليا المائة.       

هـ) الأفكار:    

- لئن يعترف المقرر بأن المؤلِّف جريء في أفكاره، إلا أنه يرى أن له في كثير من الأحيان آراء لا سند قوي لها؛ وهو يسوق مثالا يبيّن عدم فهمه الجيّد لآراء الكاتب. ذلك أنه يقول بالحرف الواحد بأنه يعتقد «أن إبطال تجريم المثلية خدمة للإسلام الصحيح، فهل توصل الكاتب للإسلام الصحيح حتى يصدع بهذا الرأي؟ فانتشار المثلية ليس دليلا على أنه يمثل الإسلام الصحيح وإنما قد يكون دليلا على الانزياح منه». وهذا خطأ فاحش في فهم نص الكتاب ومقصده. 

أمّا ما قصده الكاتب بالإسلام الصحيح، وذلك بيّن واضح لمن يقرأ الكتاب بتمعن، فهو دين العدل والإنصاف ونبذ الظلم. وبما أنه بيّن أن المثلية طبيعة في بعض البشر أرادها فيهم خالقهم، وأنه لا انتشار لها بالاعتراف بها بل فقط الحد من الاعتداء الصارخ على حريات الناس التي يضمنها الإسلام كدين العدل والحقوق والحريات والكف عن ظلم الأبرياء. هذا، وبما أن الكاتب دلّل أيضا بما يقطع الشك أن تحريم المثلية في الإسلام من رواسب الإسرائيليات، أتى به فقهاء كان أغلبهم من الموالي ممن تأثر باليهودية والمسيحية قبل الإسلام، وأنّ الغرب اليهومسيحي اليوم يزعم أن تأخر بلاد الإسلام في إقامة دولة العدل مردّه تعلقها بدين متأخر يظلم المثليين، حسب زعمه، فهنا تكمن خدمة الإسلام ضد مثل تلك الادعاءات الكاذبة والخزعبلات المغرضة التي يأخذ بها حتى من رفض الظلم من المسلمين المستنيرين. بذلك، الاعتراف بأن المثلية في طبيعة بعض البشر كما لم ينكرها الإسلام لهو أولى بالمسلم، مثليا كان أو غير مثلي، أن يتمسك بدينه من أن ينزاح عنه.

للأسف، غاب كل هذا عن المقرر لأن قراءته للكتاب كانت سطحية أو رافضة أساسا لطرح الكاتب بدعوى المقرر الخاطئة بادعاء علمه الأصح بالدين بينما لا علم في الدين الصحيح إلا عند الله، فهو الأعلم!  بقي أن نسأله: هل علم هو حقّا كنه الحكمة الإلهية؟ هل علم ماهية الدين الصحيح لينبذ اجتهادا أتى عن حسن نية في نطاق ما حث عليه هذا الدين من حتمية الاجتهاد دون لأي حتى لا يصبح الدين غريبا؟ فها هو على قاب قوسين أو أدني ممّا حذر منه صاحب الدعوة، وهو أدرى بالرسالة من جميع المسلمين!   

لعل الواضح أن صاحب التقييم لا يبعد عن الأخذ بفهم دغمائي للإسلام لا يقبل النقاش؛ هذا بيّن حين يرفض مقولة الكاتب في أنه لا يعتمد إلا على الأحاديث النبوية الصحيحة، أي ما ورد في الصحيحين، بل وحتى فيما اتفق عليه الشيخان فقط. وقد علمنا أن هناك من الأئمة من ذهب إلى حد الطعن في صحة هذين المرجعين؛ فمنطقيا لا معنى للإشارة إلى الصحاح الستة، وإلا كان من باب التمسك بالثانوي لوضعه في مستوى الأساسي، بله عادة القول بالمعيز ولو طاروا!

ما يؤيد نزعة المحافظة للمقرر، لعلها تكون متزمتة، رفضه ذكر المؤلف للشافعي أنه من أهل السنّة مبيّنا أن الأولى اعتباره من أهل الحديث إذ لم يلقب بناصر السنة إلا في القرن الثالث هجري لدفاعه عن أطروحات المحدثين. هذا بدون شك من باب قص الشعرة على أربعة، فلا طائل من ذلك في كتاب ليس همه التفقّه في مسائل كهذه. من المهم معرفتها لا محالة، إلا أن غاية المؤلف الأخذ بالأهم لعدم إضاعة الأصح الصحيح من الدين. فلا غرو أن ضياع الدين كما أصبح اليوم أتى من تعدد المسائل الخلافية في الشكليات الثانوية التي أدت إلى تجاهل الأمور الجوهرية، كالموضوع مدار الكتاب.

- يرى المقيّم أن الكتاب يصدر بعض الأفكار العامة معتبرا أنها حقائق ولكنه لا يقدم الحجج الكثيرة والقوية عليها، فيذكر ما ورد بالصفحة 22 من أن العربي لا يستحى من العري. وإنه لغريب من المقرر اعتبار الدليل المقدّم ضعيفا أو غير قوي، وبه الاستغناء عن أي زيادة دليل: عادة العرب الطواف بمكة عراة نساء ورجالا، ما وقع بالصفحة المذكورة، وفيها التنصيص على «تواصل الأمر على حاله سنة في عهد الرسول بعد فتح مكة»، مع الإحالة إلى مرجعي البخاري ومسلم بالهامش. وبعد، بما أن المقرر شكك في مثل هذه الحقيقة، هلا أتى بما يدحضها ممّا سبق التحريم الإسلامي للعري!

- يقول المقرّر أن المؤلف يعتبر بالصفحة 91 من الخاتمة «أن الدين الإسلامي يكرس المثلية» -هكذا! - ويعلق بأن هذا يعبّر عن خلط الكاتب بين مستويين هما الدين في نصوصه التأسيسية والمسلمين في فهمهم وممارستهم، ويسأل: هل إن العمل بالمثلية يمثل الدين؟ 

هذا طبعا خطأ فاحش في فهم نص الكتاب وروحه؛ ولهو حقا من هذا الخلط الذي يتهم به الكاتب! فالخلط الأول يتمثل في عدم القول بأن الإسلام يكرس المثلية، بل أنه لا يجرمها ولا يحرمها، والفرق بيّن واضح بين تكريس الشيء وعدم تجريمه. ولا شك أن التوجه الفقهي للمقرر خلط بين عدم التجريم والتحليل، وهذا غير مصيب لا في فهم طرح الكاتب ولا حتى في فهم دقة المفاهيم الفقهية الأصيلة ولطافتها. وقد أوردنا أعلاه مقتطفا من هذه الخاتمة تبين ما ذكر فعلا بها، أي «الحق في الجنس في الإسلام».    

أمّا الخلط الثاني فهو أن الدراسة مبنية على النصوص التأسيسية، حيث لا تحريم ولا تجريم لتصرف بشري عدّ شاذا بمعنى عدم شيوعه لا غير، لا على الفهم الذي فسد والممارسة من منطلق التحريم والتجريم اعتمادا على الإسرائيليات. 

من الواضح الجلي أن الاحتراز الذي يقدمه المقرر بخصوص عرض الكتاب موقف متسرع لقراءة غير متعمقة وجدية، أو لعله من الدغمائية من باب مقولة المعيز ولو طاروا التي تفشت في المتخيل الإسلامي منذ اندثار حضارته فأصبح الدين التنويري ظلاميا ظلوما لأهله. فالرجاء منه إصلاح هذه النظرة الخاطئة للأمور لما فيها من الضرر للإسلام حتى نساهم في إخراجه من غربته التي من شأنها، لا قدّر الله، أن تقضي عليه بانحياز أهله عنه، وكل من تعلقت همته بالعدل والإنصاف، لب لباب الإسلام كما أتى: رسالة روحانية علمية عالمية خاتمة للرسالات الإلهية.                                 

        كتب بهداية الرحمان الرحيم الذي نتمنّى دوما هديه، فهو الأعلم،


قرقنة، في الخامس والعشرين من فيفري سنة أربع وعشرين وألفين