
فلسفة الخمار
في المتخيّل الشعبي واللاوعي العربي

تفشت ببلادنا عادة ارتداء الخمار، عند من لم يكن يرتدي الوشاح من النساء، وذلك منذ اشتدت ظاهرة التديّن، رغم أنه ما كان لبس الخمار أبدا وجوبيا في الإسلام خلافا لليهودية، كما لم يكن عادة ببلادنا خلاف عادة تغطية الرأس عند المسنّين، بالوشاح خاصّة. فإذا التونسيات اليوم، سواء كنّ ممن يمارس شعائر دين البلاد أم لا، يحرصن عليها بوضع الخمار على رؤوسهن باسم الإسلام دون العلم بأن لا علاقة لذلك بالدين، وبالأخص عدم الدراية أنهن حقيقة لا يلتزمن في هذا إلا بتعاليم الكتاب المقدس اليهومسيحي. ذلك أن العادات اليهودية والمسيحية، ما سمّي تاريخيا بالإسرائيليات داخلت دينهن في عديد مجالات الحياة، حتى منها ما أدّى، بتأويلات خاطئة لنص القرآن وروحه، إلى تحريم بعض الحريات الشخصية المضمونة في دين الحنينفية المسلمة في خانة الحياة الخصوصية، فأصبحت مجرّمة بخلاف ما امتاز الإسلام به من عدل بعدم تحريم الحقوق والحريات مانعا المس بكل ما يخص المجال الشخصي للعبد، خلافا لما سبقه من ملل، إذ لا حكم بالظنة في الرسلام ولا هتك لستر الحياة الخصوصية حتى وإن كان فيها معاصي، طالما استترت! فهذا هو الإيمان الإسلامي الصحيح الذي أفسده اجتهاد فقهاء كان متخيلهم مشبعا بالإسرائيليات!
على أن المتخيل الشعبي بقي متجذرا في اللاعي الجمعي الشعبي، فما كان، في الحقيقة، مثل هذا الحرص في المجتمع على تغطية الرأس إلا مجرّد عادة شعبية أكثر منها سنّة أو شعيرة؛ وهي تتنوّع من تمام الحرية إلى التقيّة حسب الظروف السياسية وتغطرس صاحب الشوكة المادية أو المعنوية، فتتسربل عندها بتعلة دينية أو اعتقاد خاطئ في تقوى وهمية. فأمهاتنا وجداتنا كن يلبسن، كعديد نساء الأزمن الغابرة، الوشاح كما يتعممّ الرجال ولا يفوّتون وضع العمامة، إلا أنهن وهم أيضا ما تعللوا أبدا بتطبيق تعاليم دينهم في ذلك؛ فأكثر ما هم يذكرون هو أن العمامة تاج العربي وما هن يذكرن هي حماية الجسم أو التفرّز عن غيرهن ممن لا يغطين شعورهنّ. من الجواري العبيد.
الحقيقة، بخصوص الخمار، أنها في المتخيّل الشعبي الدفين من باب ما نعتّه بالمهرجان الشعبي الذي تذوب فيه حدّة الشعائر ورعونتها ليصبح الفرض فيه أقل وطأة بما أن في احترامه الظاهر، مع القيام بما يفرضه، متعة من يلهو أو هو يتلذذ بترضية ضميره وإشباع رغبته في الامتثال الأفضل لمكارم الأخلاق والالتزام الأمثل بها كما يدعو إليها دينها. هذا التصرّف، وإن لا يُشكّ في صدقه وتمثّله في المتخيّل من التزكّي والتقوى في الالتزام بتعاليم الدين، له في اللاوعي من الدواعي والأسباب ما لا علاقة له، بتاتا أو ضرورة، بذلك، بل هي متجذرة في فلسفة غير واعية تتنزّل في القيام بالأقل ضررا بالنفس وبالحرية الوجودية التي لا تنمحي من العقلية العربية. أليست هي تلك التي لا تنكف عن تأكيد القيل بالمعيز ولو طاروا تأكيدا لتعلقها بحريتها في الرأي؟ ذلك طبعا ما يساعد على تعلق المسلم العربي بظواهر الدين وشعائره كتظاهرة احتفالية يختلط فيها احترام الفريضة، مثل الصوم ولو كان بإفراغها من مغزاها الصحيح بالتخمة في الطعام مثلا، أو الحرص على ما ليس من الفرائض من باب المراءاة الشعبية في نطاق مثل «لعبة الأنا» كما نظّرت له، وهو ركن أساسي في الثقافة العربية بله الإسلامية، من النوع الشائع عالميا في الخداع الاجتماعي.
أمّا ما يتعلّق بالخمار، ففلسفته أنه لعبة رابحة على جميع الأصعدة، بما أنها تنبئ أو توهم بالتصرف الديني مع ما يأتي هذا به من احترام أو هيبة، أو حتى دفع لمشاكسات لعلها تحدث من لدن أهل التزمت وقد تفشّت في أيام حكم أهل التزمت الديني ببلادنا. فهذه المساحة، وهي تصغر وتكبر حسب الظروف، لهي الفرصة السانحة للتصرف بكل حرية وانعتاق من ربقة رقابة العيون المستدامة في مجتمعات هيمنت على ثقافتها الأخلاقية عموما، والدينية خصوصا، لخبطة قيمية فاحشة.
وللخمار، لمن لا يجهل ثقافة العرب التي كانت، في زمن خلى، مثال الحريات بلا قيود، قصة طريفة تلخّص ما سبق من فلسفة حرية العربي المتجذرة كمونا في مجتمعاته رغم ظلم القوانين بها؛ وها نختم بمقتطف من «الأغاني» يخصها، ساقه صاحب هذه الموسوعة من فن الحياة العربي في ذلك الزمان بخصوص الصوت التالي المعزو لشعر الدارمي الذي عاش في أيام عمر بن عبد العزيز الأموي:
قل للمليحة في الخمار الأسود * ماذا فعلت براهب متعبّد
قد كان شمّر للصلاة ثيابه * حتى وقفت له بباب المسجد
هذا الشعر، الذي تغنّي به صاحبه وغيره فانتشر صوتا كالنار في الهشيم، قاله الدارمي، بعد أن تزهّد وتعبّد تاركا الغناء والشعر. فبما أنه كان من ظرفاء أهل مكّة المقيمين بالمدينة ، لم يمانع في العودة للظرف تلبية لرغبة صديق تاجر من الكوفة أتى المدينة بخمر بيض وسود، فباع البيض كلها وبقيت السود منها لم تنفق. فبلى طلب مساعدته واعدا إياه ببيعها جميعها ببيتين من الشعر، فكان ما ذكر، إذ لم تبق في المدينة امرأة إلا ابتاعت خمارا أسود، حتى نفد ما كان مع العراقي منها. عندها عاد الدارمي إلى نسكه ولزم المسجد!