2017 : année d’abolition de l’homophobie en islam ! Que les militants maghrébins proposent ce projet de loi : en Tunisie (en arabe, en français) et/ou au Maroc (en arabe, en français) !

Mon manifeste d'amour au peuple 2/3
 




Mon manifeste d'amour au peuple 3/3


ISLAM POSTMODERNE








Accès direct à l'ensemble des articles منفذ مباشر إلى مجموع المقالات
(Voir ci-bas انظر بالأسفل)

mardi 7 mai 2013

De la croyance à la foi 5

في تجديد العروة الوثقى (3)
لا تجريم للردة في الإسلام!*


* نظرا لأهمية المقالة، يمكن تحميلها برابط في آخرها





الفهرست

0 - توطئة
   أ - كيف نُبقي ظلال الإسلام وارفة
   ب - كيف نحافظ على أنوار الإسلام ساطعة
1 - مدخل عام : في ماهية الإسلام
   أ - الإسلام دين حضارة
   ب - الإسلام دين ودنيا
   ج - مقتضيات مميزات الإسلام
2 - مفهوم الإيمان في الإسلام
   أ - الإيمان والإسلام
   ب - الاعتقاد في الإسلام
   ج - حرية الاعتقاد في الإسلام
3 - في ماهية الردة
   أ - الردة لغة
   ب - الردة فقها
   ج - ما بين الردة والتبديل من اختلاف
4 - الردة هي تبديل الدين
   أ - التبديل في اللغة
   ب - التبديل في التاريخ
   ج - التبديل فقها
5 - الردة/التبديل في التاريخ الإسلامي
   أ - تاريخية الردة/التبديل في الإسلام
   ب - الردة الفقهية هي التبديل
   ج - الانقلاب السياسي هو الردة
6 - حكم الردة الحالي في الإسلام
   أ - موضوع الردة قرآنا
   ب - موضوع الردة/التبديل سنة
   ج - موضوع الردة/التبديل فقها
7 - نحو موقف إسلامي أصيل
   أ - الردة من الزاوية الدينية
   ب - الردة من الزاوية السياسية
   ج - الردة من الزاوية الحضارية

0 - توطئة :
      أ - كيف نُبقي ظلال الإسلام وارفة :
في مقدمة كتابه في ظلال القرآن الذي تكفلت أخيرا دار الشروق بمصر، بالأصالة عن أخ الشهيد وباسم ورثته، إعادة طبعته في حلة مكتملة ورسمية، يقول الشهيد سيد قطب : « في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه... وعشت - في ظلال القرآن - أنظر من عُلو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة... أنظر إلى تعاجب أهل الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال... كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال.. وأعجب.. ما بال هذا الناس؟! مابالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟»
ويختم سيد قطب المقدمة بما يلي : « هذه بعض الخواطر والانطباعات من فترة الحياة في ظلال القرآن، لعل الله ينفع بها ويهدي. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.»
ويقول محمد قطب، شقيق الشهيد، بخصوص استغلال البعض لكتب شقيقه : « ولو أن هذا البعض كان يبغي نشر الدعوة وحده فما كان الأمر ليسوءنا، علم الله. أما وهم يتّجرون بها، ويجعلونها مجالا للمضاربات والمنافسات، فقد كان الأمر في حاجة إلى مراجعة تردّ الأمور إلى نصابها، وتحفظ للكتب مكانتها وللمؤلفين حقوقهم.»
إن هذه السلسلة التي شرعنا فيها بما سبق أن قلنا في موضوع اللواط أو المماثلة لهي تندرج تحت ظلال القرآن الوارفة، لا كما يفعل البعض من استغلال وتجارة. إنها للنهل من منبع عذب سلسبيل، هو هذا الدين الذي فيه، لأجل كونيته وعلميته، من الزاد العلمي ما لا يفنى ومن الغذاء الفكري ما لا حد له لأصحاب النهى الذين حسنت نيتهم.
والنية الحسنة اليوم لتكون في محبة الآخر، كل آخر، على هناته ما دام يطلب العلم. والعلم الحق ليس بالشيء الذي يُمتلك، بل هو تلك السبيل التي ندرج عليها بحثا عن حقيقة ليست إلا ذاك الأفق الذي يمتد أمامنا فنمشي نحوه دون الوصول إليه أبدا.
      ب - كيف نحافظ على أنوار الإسلام ساطعة :
ولعله من الضروري التأكيد هنا على أننا في تعاملنا اليوم مع تراثنا، لا بد لنا أن نتوخى أفضل الطرق في الأخذ بهذه الثروة التليدة وأثمن الوسائل حتى لا نخلط مكنوزاتها بما كوّمه عليها الزمن من تراكمات طارئة تشينها ولا تزينها.
فمن ذلك، في الأخذ بما جاء به القرآن، الإلتزام بحرف النص وروحه؛ فإن تطابق النص وروحه، كان النص بحرفه المرجع الأوحد، وإن اختلف النص مع روحه، غلبت الروح لعلو شأنها في ديننا، ولأنها من كلام الله تماما كالحرف واللفظ، إلا أنها أرفع مقاما.
وطبعا، في الأخذ بروح النص، يأتي دور التأويل، ولا يكون إلا بالعودة أولا وقبل كل شيء إلى السنة الشريفة ثم إلى مقاصد الشريعة.
ونحن لا نفعل ذلك إلا كما دأب عليه السلف الصالح في المباديء لا في التطبيقات، حيث أنه انطلق من مبدأ تطبيق مقاصد الشريعة في تأويل ما أُبهم منها، ثم انحاز بهذا التأويل إلى ما أفرزه العقل الإسلامي في لحظة من تاريخه فجعله قانونا إلاهيا بينما لا يعدو أن يكون استنباطا بشريا يحتمل الصحة كما يحتمل الخطأ، وتنطبق عليه ما ينطبق على البشر من النقصان وإمكانية التغير، بل وضرورة التبديل عند الحاجة حتى يبقى متطابقا مع مقتضيات الزمان وحاجيات البشر. وفي هذا تكمن أزلية تعاليم الدين.
ولتوفير كل الضمانات العلمية لمثل هذا العمل الذي تميزه النزاهة أولا وقبل كل شي، تلك النزاهة العلمية التي لا محيد عنها في ديننا، نرى أنه لا يجب العمل اليوم بصفة آلية بما توصل إليه الفقه في فترة من تاريخه، ألا وهو تقديم السنة الصحيحة ضرورة على القرآن إلى حد قبول نسخها له، ثم عدم قبول هذه السنة الصحيحة إلا في ما اتفق عليه البخاري ومسلم.1
فنحن إن تابعنا التوجة الفقهي الغالب في بلاد الإسلام إلى الآن، والذي كانت فيه الفائدة الكبرى سابقا إلا أنها انتفت اليوم، بل عادت بأكبر الويلات على الإسلام إذ جعلته متحجرا، فنحن لا نتصرف إلا كاليهود وقد تركوا التوراة إلى مقولة الأحبار؛ فهل مثل الفقهاء في الإسلام مثل الأحبار؟ كلا، إذ يكفي الإحالة هنا إلى ما كان يقوله أئمة مذاهبنا الأربعة للتأكيد على أنهم ما كانوا إلا مسلمين كأي الناس، إلا أنهم اجتهدوا؛ ولكل في الإسلام أن يجتهد مثلهم إذا عرف دينه وحسنت نيته.2
فلا شك أن في هذين التوجهين من الفائدة لديننا ولعلميته وكونيته الخير العميم، إضافة لما فيهما من صفاء نية وصدق في التعامل مع نص مقدس لا تحتمل قدسيته أي تحامل إيديولوجي تفرزه الطباع البشرية التي خلقها الله ناقصة بالضرورة.
لذا، فإننا في ما يلي من مقولات، عند حديثنا عن السنة الصحيحة، لا نشير إلا لما اتفق عليه الشيخان. أما عدا ذلك، فلا يكون عندنا الدليل القاطع، خاصة عند انعدام النص القرآني، بل يبقي مجرد توجه عام، ربما نعود إليه لمجرد الإستنارة.
نعم، لا شك أن ما سبق لا يُعجب الكثير ممن تعود على طريقة أكل عليه الدهر وشرب في التعامل مع الدين، بل وهناك من أكل وشرب بالدين فجعله تجارة يعيش بها ويتقوّت.3 إلا أنها تبقى اليوم الطريقة المثلى التي أرى من شأنها أن تضمن لديننا ما هو حقا وبلا مراء، أي أنه خاتم الأديان؛ وذلك يعني أن بإمكان أي مؤمن بالله موحد له، سواء أكان يهوديا أو مسيحيا أو غير ذلك، أن يقول بحق ودون تردد : أنا مسلم حنيفي.
وهكذا، يُترك المجال مفتوحا في الإسلام أمام كل إنسان انعدم فيه الإيمان بالله، فلا نمنعه البتة من إمكانية العود إلى رحاب الإسلام الواسعة وظلاله الوارفة إذا حدث يوما _ وليس ذلك بالمستحيل، فالله يهدي من يشاء _ أن أفاق عقله إلى حقيقة الذات البشرية وضعفها حيال ذات إلاهية عليا، بل وإلى حاجتها القسوى إليها ضرورة، فتراه يقول بتوحيد الله ويرنو إلى التوحيد والحنيفية؛ فيُقبل منه ذلك كما أراده اللهُ ودعا إليه.
1 - مدخل عام : في ماهية الإسلام
إن الإشكال الكبير في الحديث عن الإسلام يتمثل في الوقوف على ماهيته إذ هي تخفى أحيانا حتى على المؤمنين به، العارفين له، فلا يدركون حقيقته على تمامها.
وطبعا، لن نتكلم عن هؤلاء الجاهلين للإسلام، الغرباء عنه وعن روحه، وليسوا هم ضرورة بالغرباء بالمعنى اللغوي، الذين لا يرون في ديننا إلا مجرد الدين، أي الشعائر مجردة، فينزعون عنه خاصية أساسية، ألا وهي أنه دين ودنيا في الآن نفسه.
ما يهمنا هنا هو التوجه إلى من يعطي الإسلام حق قدره في أنه دين عبادات ومعاملات دون أن يعرف معنى هذه الميزة أو ما تؤشر له لتذكيره بمقتضيات ذلك والتنبيه عليها.
فالعديد من مسلمي هذا الزمان ينسون في حماسة تعلقهم بدينهم ما يميزه عن الأديان الأخرى مما جعله يبقى هذا الدين القيم دائما وأبدا؛ لذا، تراهم يتنكرون لأخص خاصياته بما يأتونه أحيانا من تنكر لبعض ميزات دينهم، لا لشيء إلا لأنهم يحاولون، عن وعي أو لا وعي، المساواة بين تعاليمه وما عهدوه من تعاليم اليهودية والمسيحية وقد اندست فيه زمنا حتى أنها ظُنّت منه. والكل ممن عرف حقا تاريخ دينه يعلم إلى أي مدى بلغت الإسرائيليات من التغلغل في الإسلام.
لذا، فلا بد من تذكير هؤلاء بما يختص به دينهم حتى يعظمونه حق قدره بتمييزه حقا عن سائر الأديان لما فيه من تلاءم مع الطبيعة البشرية والنزعات الإنسانية في ما يميزها من عالمية وشيوع بشري أيا كان الطبع الإنساني ونمط حياته. ولا شك أن ذلك ما يؤكد أخص خاصيات الإسلام ألا وهي أزليته التي جعلته بحق خاتم الأديان.
ولكن، لا يكون ذلك حسب المفهوم الذي آلت إليه تأويلاتنا لديننا، بل على أساس المفهوم الأصح المبني على فهم سليم للشريعة على ضوء مقاصدها. ولا شك أننا نتبين هذه المقاصد من خلال صفات إسلامنا الأساسية كما نبينها في ما يلي :
      أ - الإسلام دين حضارة :
إن الإسلام دين وحضارة، أو دين حضاري أو دين حضارة. وهذا يعني الشيء الكثير على مستوى نظرتنا لديننا وتعاملنا معه ومع الآخذين به. فصفة الحضارة التي يتميز بها ديننا تجعل منه ذلك الدين الذي لا تلخّصه شعائره، فلا تكفي لوحدها للتدليل عليه وعلى الإيمان به.
نعم، للشعائر أهمية قصوى، إنما ذلك لا يهم إلا الجانب الديني في الإسلام، لا الجانب الحضاري منه. فهذا الجانب الأخير مداره كل ما يميّز الدين من ثقافة ومعالم حضارية، لذا فهو فيها أقرب إلى مبادئه العامة، وروحه العالية التي تخص البشرية قاطبة، منه إلى شعائره ومعالمه التي ترتبط بأسباب نزول وأرض ووحي وأمة مبعث.
ولا مجال للشك في أن الإسلام جاء كدين مؤسس لحضارة. فما إن تأسس كدين حتى انتشر بتعاليمه السمحة فاتحا لعهد من التطور الفكري والتسامح بين الشرائع مما مكنه من بناء حضارة إنسانية، لم تكن دينية أو إسلامية بقدر ما كانت روحانية مغذية لما في البشرية من نزعة للإيمان والارتواء من القيم الروحية والأخلاقيات السامية، وقد لخصتها مباديء ديننا الحنيف خير ما يكون التلخيص.
فالحضارة من أهم تجليات الدنيا، إذ هي أعلى ما يصل إليه الإنسان من تطور ورقي في هذه الحياة الدنيا، فهي بمثابة الجنة بالنسبة للمؤمن. لذا، حرص الإسلام حرصا شديدا على أن تكون حضارته إنسانية عامة، لا فرق فيها بين بشر وبشر إلا بالتقوى، أيا كانت طبيعة تقواه وأيا كان مسمّاها، إسلامية أو يهودية أو مسيحية، أو حتى إلحادية. ففي الجنة، لا فرق ولا تفرقة بين من حباهم الله برضوانه؛ ومشيئته في ذلك حرة لا راد لها.
لقد جاء الإسلام بالعود على بدء، وهو الحنيفية المسلمة. ولنبين هنا أن الحنيفية لم تكن قصرا على دين أو ملة، بل كانت منتشرة بين من كان متمسكا بالروحانيات من البشر، النساك والزهاد منهم خاصة، ممن أسلموا أمرهم لخالقهم. وهذا طبعا هو معنى تعريف المسلمة الذي ينطبق على تلك الحنيفية، لا كما اعتقده البعض من أن في ذلك إشارة إلى شعائر الإسلام كما جاء بها سيد الآنام رسولنا الأكرم؛ بل هذه الحنيفية المسلمة هي الإيمان بالله، أيا كانت شعائر ذلك الإيمان، ما دام العبد موحدا لله، مسلما أمره إليه.
      ب - الإسلام دين ودنيا :
وبما أن الإسلام دين حضاري، فهو في بعده الدنيوي أو المدني لا يبعد من الأخذ بكل ما تواترت الحضارات في الاغتراف منه داخل مجتمعاتها، أيا كانت مشاربها، بما أن تعاليم الإسلام كونية ونزعتها علمية لا دينية بحتة.
فالإسلام لا يخلط بين الحياة الخاصة والحياة العمومية، ففي الأولى مدار الدين في جانبه الشعائري، بينما لا تطال هذه الشعائر الحياة الخاصة التي تبقى من باب السرائر التي لا يتطلع عليها إلا الله؛ فلا دخل لأحد في حياة الناس الشخصية.
لذا، لا مجال في الإسلام لفرض نمط خاص طابعه ديني علي أمور الدنيا، كما لا تُفرض هذه على أمور الدين؛ فلا خلط بين السياسة والدين مثلا، كما لا خلط بين مقتضيات الدين والدنيا، إذ لكل شأن مرجعيته. فللدين مرجعيته حددها القرآن وبينتها السنة، وللدنيا مرجعيتها يحددها القائمون بشؤون الناس كنواب الشعب في النظم الديمقراطية.
ولا مجال لإقامة الدين كأس لنظام سياسي إذ نحن بذلك نجعل منه مجرد مجلة قوانين بشرية، فنفرغه من جانبه الديني دون أن نشعر. ذلك أن الأمور البشرية البحتة لا بد أن تبقى من أنظار البشر، لما لها من ضرورة التبديل والتغيير والتطور المستدام بسبب ما تمتاز فيه طبيعة البشر من النقص وعدم الكمال.
وطبعا، يبقى الدين بمبادئه وروح تعاليمه مرجعا من المراجع، بل ومن أهمها، دون أن يكون الأوحد، وذلك باعتماد مبدأ عدم المزج بين الديني والدنيوي، فأمور الدين خالصة لله وحده وأمور الدنيا خالصة لمخلوقاته وقد أعطاها ما يجب من عقل للتصرف بحكمة على هدي نوره.
لا يجب إذا أن نخلط بين الدنيا والسياسة. فالسياسة هي أن يصرّف العبد أموره حسب ما تقتضيه أحواله ساعيا إلى ما هو أصلح له ولغيره من البشر، إذ من سنة الله في خلقه أن يكن الإنسان مدنيا بطبعه؛ وهذا يقتضي الأخذ بالصالح العام.
وبما أن النظام البشري الأفضل هو النظام الديمقراطي الذي يعتمد على مؤسسات تُحترم فيها حرية الآخر عبر آلية الأغلبية والأقلية وتعاقبهما على الحكم، فالدين يترك الأمر لأهله ولا يخلط ما لا يخص إلا البشر في حياتهم، وهي أمور معرضة للنشوء والارتقاء وجوبا، مع ما يخص العبد في علاقته بربه، وهي علاقة تديرها مباديء لا تغيّر فيها ولا تغيير لأنها أزلية.
لذا، لا يكون أمر السياسة في الإسلام إلا منحازا عن الدين مع أنها جزء منه، ولكنها جزء مستقل بذاته، من الأمور التي لا علاقة لها بالملة إلا في مبادئها العامة التي هي نفسها مباديء السياسة الحكيمة، كالعدل والشوري واحترام الحريات وضرورة الرأي الآخر؛ إلى غير ذلك من المباديء الديمقراطية.
فالدنيا كما يراها ديننا، أي سياسة الدنيا أو السياسة الدنيوية، هي في التفريق بين مسائل الدين والدنيا التفريق التام خلافا لما يعتقده البعض ممن لم يفهم دينه على حقيقته؛ فليس هناك نظاما سياسيا دينيا في الإسلام ولا إسلاما سياسيا بالمفهوم الوضيع المتعارف عليه.
فالمفهوم الديني للدنيا هو سياستها حسب مقتضيات البشر الآنية بالإستنارة بمباديء الإسلام الأساسية، لا في تصريف أحكام الإسلام الدنيوية على حياة البشر التي هي أحكام تخص مجتمع ونمط حياة ليس لها من الأزلية إلا روحها، أما نصها فقيمته في تطابقه مع مقتضيات العصر.
ولنا في ذلك العديد من الأمثلة كقطع اليد التي جاءت في زمن كان فيه هذا الحكم أرفق مما جاءت به قوانين ذلك المجتمع؛ أو العبودية التي عمل الإسلام على الحد منها في توجه يقتضي بطبيعة الحال الوصول إلى المنع عملا بالتوجه العقلاني والتدرجي للإسلام.
فبما أن الإسلام دين ودنيا لأنه حضارة أولا وقبل كل شيء، وبما أنه لا معنى للحضارة دون البشر وأمور دنياهم، فكل مسلم حقيقي يعلم أن دينه هو شعائر وعبادات، ولكنه أيضا معاملات ومباديء أخلاقية وسياسية. ويعلم إذا أو يجب أن يعلم أن الإسلام أكثر من دين، وأن من يجعل منه مجرد دين ينتقص منه ما يكوّن لب لبابه؛ لأن الإسلام أولا وقبل كل شيء دين البشرية جمعاء، ولا بشرية دون حياة إجتماعية، ولا مجتمع بدون ضوابط وقوانين تسهر على تسهيل حياة الفرد في مجموعته وحياة المجموعة بأفرادها وقد خلقهم الله مختلفين.
والمؤكد أن الكثير من المسلمين يغلطون في فهم هذا الجانب الأساسي من دينهم إذ يذهبون خطأ إلى أن ذلك يعني أن القواعد التي جاء بها الإسلام لزمن معين هي قوانين لكل الأزمان، فيصرفون ما يميز الشعائر على ما لا يمكن أن يخص القوانين الإجتماعية.
من ذلك مثلا ما جاء به الإسلام من قاعدة نصيب الذكر في الميراث إذ أعطاه مثل حظ الأنثيين في زمن لم يكن للأنثى أي حظ. وطبيعي هنا أن مقاصد الشريعة التي هي في رفع قيمة المرأة ومساواتها بالرجل، ولكن بتصرف تدريجي، تفرض علينا اليوم صرف نفس النصيب للرجل والمرأة بما أن ذلك هو التوجه في ديننا خاصة بعد أن تغيرت الظروف ولم يعد دور الرجل في مجتمعه كما كان عليه في زمن رجولي بحت.
وقس على ذلك ما سبق أن قلنا من شأن قطع اليد أو زواج الرجل بأربع نساء أو حتى التبني لانتفاء الظروف التي حتمت ما جاء به ديننا مما يحتم التأقلم مع الظروف الراهنة أخذا بمبدأ مقاصد الشريعة وعملا بروح شرعنا في تأقلمها مع كل الظروف بما أن هذا الشرع أزلي التعاليم، علميها وكونيها في نفس الوقت.
      ج - مقتضيات مميزات الإسلام :
إن من أخص خاصيات الدين الإسلامي، بما أنه حضارة وبما أننا لا يجب أن ننسى أنه لذلك دين ودنيا، أن يتماهى في الآن نفسه ولأجل هذه الثنائية مع مقتضيات السياسة والدين دون أن يقع الخلط بينهما. هذا من الناحية النظرية والمثالية؛ أما في الواقع فالخلط والتداخل وارد وقد تفشى في التاريخ ولاشك في ذلك؛ وقد يكون هذا عن عمد وقصد أو عن غير قصد.
وذكر هذا لا يعني البتة القبول به أو مواصلة العمل على منواله؛ بل بالعكس، يؤكد ضرورة القطع معه وجوبه. ومن هذه الأمور التي وقع الخلط فيها، فخبط أهل الإسلام خبط عشواء في التعامل معها، مسألة الردة.
وسنبين في هذه المقالة أن الردة سياسيا هي تلك الحركة الشعبية التمردية على النظام القائم التي نظر إليها المسلمون شزرا ونبذوها، بينما لا مجال إلى تجريم الردة دينيا، وما جاء فيها أي تحريم، لا في القرآن ولا في السنة كما سنرى بالتدقيق.
ولنبدأ، قبل التعرض للمسألة بالتفصيل، بتلخيص شعري بليغ لها ببيت للحطيئة يبيّن فيه كيف كانت النظرة العربية الصحيحة لما سمّي ردة دينية في حين لم يكن إلا مجرد إنقلاب سياسي على نظام حكم مدني :4
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا | فيا لَعِبادِ الله ما لأبي بكْرِ
أيُورِثُـهـا بــكـراً إذا مـات بـعـده | وتلك لعمرُ الله قاصِمةُ الظهرِ
2 - مفهوم الإيمان في الإسلام
إن للإيمان في الإسلام، بصفته خاتما للأديان، منزلة خاصة تعلو مرتبة الإسلام المجرد؛ فالمسلم من أسلم وربما لم يؤمن تمام الإيمان، بينما المؤمن من أسلم وآمن. ولا شك أن الإسلام المعني هنا هو الإسلام الثقافي أو التام، أي الإسلام الحنيفي؛ لذا فليس هو بالضرورة الإسلام كما عهدناه حسب شعائره المعروفة، بل هو الحنيفية المسلمة، وهي دين التوحيد الإبراهيمي.
      أ - الإيمان والإسلام :
إن العقيدة الإسلامية مبنية أساسا على صدق الإيمان، لأن الإسلام دين يتوجه للعقل أولا وقبل كل شيء، أي لخير ما في الإنسان، إضافة لمشاعره وعواطفه. ولا شك أن العواطف الصادقة النبيلة هي تلك التي تتوافق مع العقل ولا تنقضه أو ترفضه، وإلا تناقضت مع ما يقتضيه الضمير، وهو أساسا مشاعر معقلنة أو عقلنة للمشاعر والأحاسيس لما فيها، عند صفائها، من اخترال للطبيعة البشرية وفطرتها كما تبدو عند البشر قاطبة وفي المخلوقات الكونية.
والإيمان، كما بينا آنفا، ليس الإسلام فحسب في شعائره كما أبانها الجانب الديني للإسلام، بل هو أولا وقبل كل شيء التوحيد للخالق العلىّ لهذا الكون؛ لذا، فليس الإيمان في الشعائر، بل هو تمام النية الصادقة في توجه الإنسان بكل جوارحه نحو خالقه والتسليم له في كل أموره.
وطبعا، لا يكون هذا ضرورة بما اعتاد البشر عليه من عادات وطقوس، لأن علاقة الله بعبده في الإسلام علاقة مباشرة؛ فهي لا تقتضي بالضرورة الرسوم، لما في الرسوم من إمكانية المغالطة والنفاق بالمظاهر، بقدر ما تقتضي الباطن والسريرة فيكون بصفائهما صفاء العقيدة وحسن الإيمان وتمام الدين، كما أتى به رسولنا الأكرم؛ وقد جاء متمما لمكارم الأخلاق.
     ب - الاعتقاد في الإسلام :
بما أن الإيمان هو الإسلام الحنيفي، أي تمام الإيمان، بينما الإسلام المجرد، كما يبدو خاصة من خلال الإسلام الشعائري، هو من الإيمان ولكن ليس كل الإيمان، فالإعتقاد إذا هو التوحيد الحر والمتحرر لله من رسوم معيّنة من شأنها الحد من هذه الحرية والفصل بين الله وعبده في علاقتهما المباشرة التي لا يجب أن يتوسطها أحد ولا أن يزدلف بين أطرافها أي مزدلف.
إن الإعتقاد في الإسلام، كما لم يعد يعرفه عارف من بين مسلمينا اليوم، هو إعتقاد عقلاني علمي، لا يُفرض على الإنسان فرضا ولا قهرا؛ بل الإنسان هو الذي يسعى إليه بنفسه إذا كملت فيه الذات البشرية، فعَلَت به إلى مصاف الإنسان الكامل الفكر، الناضج العقل، السليم النية والذهن.
ولا بد هنا من الإشارة لما ذكره البعض خطأ من وجود آية سموها بآية السيف في سورة التوبة،5 وهم يعنون بها في الحقيقة بضع آيات ذُكر فيها القتال وحُث عليه في سياق الحديث عن الحرب. وطبعا، هم يرومون من وراء ذلك التأكيد على انعدام حرية العقيدة في الإسلام.
إن هذه الآيات وردت في نطاق معيّن ولا يُمكن إخراجها من منطوقها ولا تعميمها؛ ثم هي تتحدث بمنطق زمن كانت القاعدة فيه هي الحرب لا السلام. ورغم ذلك لم يُأخذ بهذه القاعدة إلا في حدود معينة كما سنبينه، مما يؤكد على سلمية ديننا لا نزوعه إلى المشاكسة والعنف.
فإن كانت آية أو آيات السيف تُبيح أو تدعو للقتال، فذلك من باب الدفاع عن النفس لا الاعتداء والانتقام؛ إذ علينا ألا ننسى أن الحرب كانت قائمة بين أهل المدينة المسلمين وأهل مكة، وجاءت هذه الآيات إثر جولة من جولات هذه الحرب كانت الغلبة فيها للمسلمين فأقرّوا بها تغلبهم مما أدى إلى فرض حكمهم؛ ولا شك أن الحروب تنتهي هكذا. مع الإشارة هنا أننا لم نر مع ذلك، خلافا لما كان معتادا في ذلك الزمان وفي أزمنة لاحقة، حملات انتقامية وإهدار للدماء من باب غريزة الإنتقام والتنكيل.
والإسلام صريح في هذا الباب، ولا شك في ذلك، إذ هو إذ أقر القتال والجهاد، لم يفعله إلا لمقتضيات واضحة وفي حدود لا يمكن تجاهل جدّتها وثوريتها على عقلية ذلك الزمان لأخذها بمباديء إنسانية لن تفرض نفسها في عالمنا البشري إلا بعد أمد طويل.
ولا بد من التذكير أن الجهاد في الإسلام جهادان، فهناك الأكبر والأصغر؛ وهذا الثاني، تماما كالهجرة، انتهي بانتشار الإسلام وتوطده. أما الأول والأهم، أي جهاد النفس ومصارعة نوازعها التي لا تهدأ، فذلك ما لا ينتهي.
فمن لا يعرف دينه على حقيقته أو تجاهل روحه وحقيقة كنهه - وهو طبعا أن الإسلام أولا وقبل كل شيء سلام -، يقف عند زمن من أزمنة الإسلام فلا يحيد عنه؛ فترى الإسلام دوما في محطة البداية، وكأنه وليد يومه أو قاصرا لمّا يبلغ بعد، فيتعامل معه معاملة غير البالغ، بينما هو الراشد تمام الرشد، بل المحنك الحكيم.
لا يمكننا اليوم التعاطي مع ديننا، وهو القوي العظيم، إلا بأمانة وصدق؛ فليس هو بالضعيف، كأنه من قوارير، نخاف عليه كما يخاف صاحب البيت من البلور أن يتهشم بيته لأقل شيء، وقد صمد على مر الزمان لما هو أعتى وأنكى.
بل إن أخشي ما يُخشى على إسلامنا اليوم هو الإساءة إليه بتصرفنا معه قياسا على تصرفات من سبقنا من يهود ونصارى، الذين حرفوا دينهم أو عرّوه من ميزاته وجعلوا منه لباسا لكهنة وأحبار وقساوسة ورهبان كان همّهم الرياسة وفرض تصوراتهم للدين والدنيا لا التسليم لله بما جاء به من رسالة محبة وصفاء وسلام.
      ج - حرية الاعتقاد في الإسلام :
بعد أن بيّنا نظريا الموقف الإسلامي الصريح من حرية الإعتقاد، لنسوق هنا الأدلة الشرعية على ذلك حتى نستوفي الغرض فنستوعب كل ما يجب أن يقال في الموضوع، مقررين حرية الإنسان في الاعتقاد، إذ له حرية اعتناق الإسلام أو عدم اعتناقه؛ فإن أعرض، فلا حق لأحد أن يمنعه من ذلك أو أن يجبره على الإسلام، بما أن الرسول نفسه مُنع من أن يأتي ذلك بصريح النص.
يقول الله تعالى مثلا مخاطبا رسوله الأكرم في ما عدّت عند بعضهم إحدى سور القرآن الطول السبع : « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟ ».6
ويقول تعالى : « إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ».7
وقال أيضا، مؤكدا أن ليس لأحد ارغام الناس على الإسلام : « فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ».8
وقد أكد الله ذلك، مبيّنا أن له وحده الحد والعقاب في هذا الموضوع الذي يبقى من خاص خاصياته : « فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ».9
ولعل الآية الموالية هي من أوضح ما جاء في القرآن بخصوص تمام حرية الإنسان في الاعتقاد : « وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ».10
ولا شك أن هذه الآية موازية في قوة الحجة والبرهان لما جاء في البقرة التي هي في هذا الأمر كالعلم الذي على رأسه النار « لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ».11
وطبعا، لقد قلل الفقهاء من قوة الحرية وقيمتها في ما يخص مشيئة البشر بأن قالوا أن ذلك من باب التهديد والوعيد.12 لكن هذا لا يمنع من ضرورة ملاحظة انعدام وجود عقوبة دنيوية للردة على الرغم من تعدد الآيات التي تشنّع بها أو تحذّر من الوقوع فيها مع التأكيد على العقوبة المعنوية الأخروية. ثم، لمّا نتذكر أن النصوص التي تفصّل العقوبات الحسية الدنيوية عديدة بخصوص الجرائم المتعلقة بحياة الفرد أو الأسرة أو المجتمع، نفهم مدى تحرر الإسلام في موضوع حق الردة المسموح به في القرآن كما سيتضح لنا في ما يلي من فقرات.
3 - في ماهية الردة
رأينا أن عن حرية الاعتقاد مضمونة في الإسلام، أي لا إكراه في اعتناق الإسلام ابتداء. ورأينا أن هذه الحرية لا شك فيها ولا اختلاف، بل ولا حدود لها، إذ هي حرية مطلقة، وإلا لما كانت بحق حرية اعتناق.13
بقي لنا أن نتساءل هل هذه الحرية بحق تامة في فرعيها، أي في اعتناق الإسلام والارتداد عنه. فلا غرو أن الحرية في فعل شيء تقتضي، إضافة إلى إمكانية الفعل، إمكانية الترك، أي إمكانية نقض الفعل والتنصل منه لاحقا؛ وإلا لما عدّت حرية تامة.
وبما أن الإسلام أقرّ هذه الحرية، فليس بالإمكان القول بأنه أقرها ناقصة، لذا فهو يقر إمكانية الارتداد عن اعتناق الإسلام كما يقر حرية اعتناقه. وسنرى ذلك بالدليل القرآني القطعي بعد أن نبيّن الدليل على المستوى البرهاني المحض.
      أ - الردة لغة :
الردة في معناها اللغوي هي الرجوع عن الشيء إلى غيره. جاء في لسان العرب : « وقد ارتد وارتد عنه : تحوّل؛ وفي التنزيل : من يرتدد منكم عن دينه. والاسم : الردة، ومنه : الردة عن الإسلام أي الرجوع عنه، وارتد فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه؛ ورد عليه الشيء إذا لم يقبله. وكذلك إذا خطأه وتقول رده إلى منزله. ورد إليه جوابا أي رجع ».14
والمعروف عموما أن الردة هي حال الذي يعتنق الإسلام ثم ينتقل عنه إلى اعتقاد آخر؛ وهذا هو المفهوم الفقهي كما سنبينه. وهو لا يبعد عن المعنى اللغوي الذي يقتضي الرجوع والتحول.
والرجوع هو الانصراف عن الشيء ومن الشيء، ومن حال إلى حال؛ وقد جاء باللسان : « حال الرجل يحول، مثل تحوّل من موضع إلى موضع. الجوهري : حال إلى مكان آخر أي تحوّل، وحال الشيء نفسه يحول حولا بمعنيين : يكون تغيرا ويكون تحولا. وقال النابغة : ولا يحول عطاء اليوم دون غد أي لا يحول عطاء اليوم دون عطاء غد؛ وحال فلان عن العهد يحول حولا وحؤولا أي زال. وتحوّل تنقل من موضع إلى موضع آخر. والتحول التنقل من موضع إلى موضع، والاسم الحول، ومنه قوله تعالى : خالدين فيها لا يبغون عنها حول».15
إلا أن من معانى التحول أيضا : التحيّل؛ يقول ابن منظور : « ويقال تحوّل الرجل واحتال إذا طلب الحيلة. وتحوّل أيضا أي احتال من الحيلة ». ومن معانيه أيضا الافساد، كما بين ذلك اللسان : « ويقال أحلت الكلام أحيله إحالة إذا أفسدته ».
هكذا نرى ما في الردة من معاني تتكامل وهي تقتضي لغة المرور من حالة إلى حالة ومن وضع إلى وضع بما في ذلك من اختلاف بين الحالين، سواء كان هذا المرور عن حسن نية أو عن سوء نية، أي بالاحتيال والإفساد.
وهذا هو المعنى الذي عرفه المسلمون وأصبغوه على الردة، أي التحول من وضع اجتماعي وسياسي معيّن إلى وضع آخر مع إفساد النظام المعهود والاحتيال في قبوله حسب مبادئه، كأن يُقبل الدين بدون واجب الزكاة، حتى تنعدم أوصال الدولة بانعدام مواردها.
ولنا لهذا عودة لاحقا، إذ يكفينا الآن التفطن لهذا المعنى اللغوي للردة القاضي بالتبديل للشيء الذي يُتحوّل عنه وبإفساده.
      ب - الردة فقها :
تتفق المذاهب الأربعة على أن الكفر هو بالقول، أي عمل اللسان، والفعل، أي عمل الجوارح، والاعتقاد والشك، أي عمل القلب.16 فالردة في الشرع هي الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام، ويحصل تارة بالقـول وتــارة بالفعـل وتـارة بالاعتقــاد.17
والمرتد فقها هو الذي يكفر بعد إسلامه إما نطقاً وإما فعلاً وإما اعتقاداً؛ فمن قال الكُفر كَفَر وإن لم يعتقده ولم يعمل به إذا لم يكن مكرهاً، وكذلك إذا فَعَل الكفر كَفَر وإن لم يعتقده ولانطق به، وكذلك إذا شرح بالكفر صدره أي فتحه ووسّعه وإن لم ينطق بذلك ولم يعمل به.18
يعتبر الفقهاء الردة إذا، من الزاوية النظرية، في معناها اللغوي، أي كونها الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر؛ فتكون شرعا النية أو الفعل أو القول في ذلك المعنى. ويذهب البعض إلى الأخذ بمثل هذا القول حتى وإن لم يكن اعتقادا، فجاء مجرد استهزاء أو عناد.
أما في الواقع، فهم يقولون بأن لا ردّة إلا بقول ٍ مُكَفِّر أو فعل ٍ مُكَفِّر، كما ذكّر بذلك ابن تيمية : « فالمرتد: كل من أتى بعد الإسلام من القول أو العمل بما يناقض الإسلام بحيث لا يجتمع معه ».19
وطبعا هذا ليس بالغريب في الإسلام لأن أحكام الدنيا لا تجري إلا على الظاهر، فطبيعي أن يقرر الفقهاء أن لا حكم بالردة إلا بقول مكفِّر أو فعل مكفِّر، إذ هما مايظهر من الإنسان؛ أما الاعتقاد والشك فمحلهما القلب، ولا مؤاخذة بهما في الدنيا ما لم يظهرا في قول أو فعل.20
وليس هذا إلا من باب التطبيق للسنة الصحيحة إذ الحكم على الناس بالظاهر من أصول الإسلام؛ فقد ثبت عن الرسول قوله : « إني لم أومر أن أنْقُب عن قلوب الناس ولا أشُق بطونهم ».21
لذا، فحسب الفقه الحالي، من كفر بقلبه، باعتقاد أو شك، ولم يظهره في قول أو فعل، لا يمكن الشك في أنه مسلم، ولو كان كافرا في الحقيقة عند الله؛ وأكثر ما يُمكن القول فيه أنه منافق مستسرّ بكفره. وقد أكد ذلك الإمام ابن القيم بقوله : « ولم يرتب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول ».22
وفي كل ما سبق، يقول الدكتور وهبة الزحيلي ملخصا مفهوم الردة الخاطيء المعمول به إلى الآن : « فإن المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر؛ مثل من أنكر وجود الخالق، أو نفى الرسل، أو كذب رسولا، أو حلل حراما بالإجماع كالزنا واللواط، وشرب الخمر، والظلم، أو حرم حلالا بالإجماع؛ كالبيع والنكاح. أو نفى وجوبا مجمعا عليه؛ كنفي ركعة من الصلوات الخمس المفروضة... إلخ ».23
أقول هذا المفهوم الحالي الخاطيء لأنه لا شك أن الفقهاء القدامي، لإن تشددوا في تعريف الردة حتى أنهم أخذوا بمجرد الكلام الهازيء مع وضوح النية، فذلك للخطورة التي وجدوها في مثل هذا التصرف لا على الدين ودوامه فقط، بل لصيرورة الأمة جمعاء، لأن الدين كان عمادها.
فالقول الصحيح هو أن الردة فقها، علاوة على أنها ارتداد عن الدين، هي ولا شك إثارة للفتن والبلبلة بتعكيرها للنظام العام في الدولة الإسلامية، فهي بمثابة العصيان الديني الموازي للعصيان المدني اليوم، أو هي كالإنقلاب العسكري أو الثورة الشعبية.
وكل هذا مفهوم معروف عند الفقهاء، لذا تشددوا في الحكم على المرتد أكثر من اشتداد القرآن نفسه في الموضوع؛ بما أن الله، كما بيّنته الآية 217 من سورة البقرة اللاحقة الذكر، لم ينص على عقوبة دنيوية للردة وإن ندّد بها.
فنحن نرى الفقهاء يعودون للنص القرآني عندما لا ينشر المرتد ردّته فتبقى بينه وبين نفسه، لا يطلع أحدا على ذلك. هنا، نراهم يقرّون بأن لا مجال للتعرض بسوء لمن يُتّهم مثلا بالارتداد دون أن يأتي منه ما يدل على ذلك.
وكما سبق أن قلنا، هذا منطقي وطبيعي في الإسلام لأن الله وحده هو المطلع على ما تخفي الصدور، ولا حكم بالظنة في ديننا. إلا أنه لا شك أن السبب الآخر والأهم، بل الحقيقي والوحيد في نظر الفقهاء، هو أن الأمة لا تتعرض لأي خطر بسبب مثل هذه الردة الغير معلنة أو المسالمة، حتى وإن كانت من الخداع، فتعود هنا إلى الأصل في الإسلام وهو حرية العقيدة بترك موضوع البت في تلك الردة لله وحده.
      ج - ما بين الردة والتبديل من اختلاف :
وهذا يجرّنا إلى القول بأن المعنى الفقهي المعروف للردة كما بيّنا أعلاه هو في الحقيقة معنى التبديل كما ألمحنا إليه سالفا24 وكما نستفيض في تبيينه في ما يلي.25 ويكفينا هنا الآن أن نقول أن المسلمين فهموا الردة بسائر معانيها اللغوية وخاصة تلك التي تقتضي لا التغيير فقط، بل وأيضا التبديل بما فيه إفساد وتحيّل وسوء نية.
فالردة ليست فقط في تبديل العقيدة أو الخروج منها على مستوى الفرد، بل هي أولا وقبل كل شيء في محاولة تبديل العقيدة بالإضرار بها، سواء كان ذلك بالمس بأس من أسسها أو بالعمل على التشكيك فيها أو التحريض على العصيان وكسر عصا الطاعة للنظام القائم.
وبهذا المعنى الصحيح نخرج من عنق الزجاجة الذي وضع الفقهاء المعاصرون أنفسهم فيها بالتناقض الصارخ بين القول بحرية الاعتقاد في الإسلام وتجريم الردة بمعنى الخروج من الدين سواء أكان ذلك لدين آخر أو لأجل الإلحاد.26
فالمجامع الفقهية اليوم تصدر الفتاوى في الردة، بمعناها الفقهي القاضي بالحد والعقاب الدنيوي، قائلة مع ذلك بعدم مخالفتها للحرية الدينية، مع أنها تطبقها على المعتقدات الشخصية السلمية لا الحركات السياسية المناهضة للنظام، المشوّشة للسلم الاجتماعية.27 فمثلا، في الفتاوى المصرية، نرى هذه العبارة، التي لا معنى لها منطقيا، تتكرر عند الحكم بقتل المرتد حدا : «يقضي الحكم الشرعي بقتل المسلم الذي بدل دينه إذا أصر على ردته ولم يتب ولم يرجع إلى الإسلام متبرئا مما فعل، وهذا لا يتنافى مع الحرية الشخصية ».28
ولا شك أن إقرار معنى التبديل بما فيه من تعدّ على مقومات الدين من تحريف نص أو تزويره وإفساد معنى أو تشويهه، من شأنه ألا يمس بالمبدأ الذي أقررناه من أن في الإسلام الحرية المطلقة في اختيار العقيدة، وأن هذه الحرية لا تقف عند اعتناق الإسلام، بل تبقى سائرة المفعول حتى في تركه بالارتداد عنه إذا عنّ ذلك لصاحبه. فالحرية إما أن تكون تامة وإلا فليست هي بحرية!
ففي التبديل يكون العبث بالدين والسعي لتمزيق وحدة الأمة بالإخلال بالنظام العام والمس بمقوماته. وهذا لا يطال العقيدة، وإنما يمس بالأمن العمومي ويقتضي اليوم أعمالا تخريبية لا أقوالا كما كان الحال في الماضي.
ومن الضروري أن نتذكر هنا ما كان للكلام، وللشعر خاصة، من وقع على الحياة اليومية في المجتمع العربي القبلي، حتى قيل أن وقع الكلام لهو أشد أحيانا من حد السيف المهند! ذلك لأن تلك الفترة الزمنية لم تكن تعرف حرية الرأي ولا ضرورة الفكر الحر؛ أما اليوم فلا يكفي للرأي وحده للإخلال بالنظام، على الأقل في النظم الديمقراطية.
ومما يؤكد ضرورة اقتران الارتداد بحالة الحرب وانعدام الأمن هو أن الرسول لم يتردد عند صلح الحديبية في إمضاء بند يقضي بأنه لا يجب على المؤمنين استرجاع من يرتد من المسلمين إلى مكة لأجل إقامة حد الردة عليه؛29وذلك يبيّن بلا أدنى شك أن الارتداد هنا لا عقوبة له بما أنه لا يثير حربا.
4 - الردة هي تبديل الدين
هكذا إذا نرى جليا أن الردة، كما عاشها العرب، لم تكن في الخروج عن الدين أو البقاء فيه، بل كانت في الخروج عن النظام. أما ما سماه الفقهاء بعد ذلك بالردة، فليس إلا تبديلا للدين وثورة على القائمين به، وهو دستور البلاد،كما سنبيّنه الآن.
      أ - التبديل في اللغة
يقول ابن منظور في لسانه : « تبديل الشيء تغييره وإن لم تأت ببدل. والأصل في التبديل تغيير الشيء عن حاله، والأصل في الإبدال جعل شيء مكان شيء آخر كإبدالك من الواو تاء في تالله والعرب. فالتبديل هو تغيير الصورة إلى صورة أخرى ».30
فالتبديل في الدين هو ما اعتدنا تسميته ردّة، بينما لا ردة بمعناها القرآني إلا في الاعتقاد، وهو لا يخص إلا الله وعبده؛ أما التبديل، فهو يتعلق بالمس بالعقد الذي يربط بين المؤمن ومجتمعه الذي ينتمي إليه، وذلك بالإخلال بالأمن العام وإفساده كما وقع بالجزيرة العربية بعد موت الرسول. فلا شك أن ما رأيناه في التاريخ العربي الإسلامي مما سمي ردة لم يكن سوى محاولة لتبديل نظام قائم، أي محاولة الانقلاب عليه.
      ب - التبديل في التاريخ :
لعل ما قال الإمام ابن القيم من أن « المرتد يقتل سياسة لا حدًّا، وهي مسألة سياسية قُصِد بها حياطة المسلمين » يبيّن حقيقة الردة بمعنى التبديل في التاريخ الإسلامي. وليس ذلك بالمستغرب لأن الردة لم تكن قط مجرد الرجوع أو الخروج عن الدين الذي نفهمه اليوم، أي مجرد قناعة شخصية؛ وكيف يكون ذلك وقد أكد الإسلام حرية الفكر والاعتقاد؟
لقد كانت الردة في التاريخ العربي الإسلامي تبديلا للدين، لذلك استوجبت العقاب الذي قررته السنة، إذ الرسول الأكرم تحدث عن تبديل الدين لا عن مجرد الردة كما وقع في القرآن.31 ولنا لذلك عودة لاحقا.32
إن التبديل في الدين، أي النظام الذي يدين له المجتمع، من أعظم الجرائم في كل المجتمعات، فليس هذا مما يخص الإسلام فحسب. ذلك أن الهرطقة في ذلك الزمان هي من التبديل، كما كانت منه كل مخالفة للمألوف في المجال العقائدي مما ليس فيه فقط بدعة أو شذوذ، بل وأيضا العمل على إشاعة المخالفة للأصل.
لهذا رأينا كل الديانات، سواء كانت كتابية أم لا، تحرص على المحافظة على دينها من كل تبديل حتى لا يقع تشويهه. وليس من الضروري التذكير كيف رفضت اليهودية دين المسيح إذ اعتبرته تبديلا لدين موسي؛ وكان الحال نفسه في بداية الإسلام إذ اعتبره البعض من المسيحيين هرطقة لديانتهم، متجاهلين ماهيته الحقة كدين جديد.
وما كان يدعم هذا التوجه هو أن المجتمعات في ذلك الزمان كانت مؤسسة على الدين الذي لم يكن مجرد عقيدة شخصية بل أساس نظام يرتكز عليه المجتمع بأسره. وكان هذا حال المجتمع القبلي العربي الذي جاء الإسلام لصهره في نطاق دولة عمادها الدين. فلعب الإسلام في الدولة الإسلامية الفتية الدور الذي يلعبه الدستور اليوم في مجتمعاتنا.
      ج - التبديل فقها :
هكذا إذا بإمكاننا أن نفهم موقف فقهاء الإسلام من الردة كتبديل للدين، بل مسخ له، وتشددهم في الحكم عليها.
فردة القبائل العربية كانت سياسية ولم تكن دينية. فلإن أجمع الفقه الإسلامي على قتل المرتد، فلم يكن ذلك بالمرة على أساس نظرتنا اليوم لعملية الارتداد كنوع من ممارسة حرية العقيدة، وهو مما لم يكن معروفا بتاتا وقتئذ.
لقد عاقب الفقهاء التبديل للدين، أي محاولة نسفه بانقلاب؛ والدليل على ذلك أن ما سمّي حروب الردة كانت بالفعل حروبا، حيث كان الارتداد جماعيا، إذ أنكرت القبائل المرتدة علانية خضوعها لركن من أركان الإسلام، ولحكم من أحكام النظام الاجتماعي للأمة، بل وهاجمت ممثلي النظام القائم. وتأكد ذلك بظهور أدعياء للنبوة ، كانت ثورتهم لا على الدين فقط، بل على الأمة كلها.
ولا غرو أن ضرورة هذه النية المبيّتة للنيل من سلامة أمن البلاد من خلال المس بدينها واضحة عند الفقهاء بما أنهم طبقوا الحديث الشريف الذي يربط بين التهديد الحاصل للدين وتداعياته على الأمة، لأن ذلك يتأتي من قوم لا من فرد، كما يتضح ذلك في كلام الرسول في قتل المرتد « التارك لدينه المفارق للجماعة ».33
ففراق الجماعة فقها، في ذلك الوقت، هو الانسلاخ من الكيان القبلي وإرادة الاضرار به، ونحن نعلم مدى قيمة القبيلة في تلك الأيام وذوبان الأفراد داخلها. لذا، كان ترك الدين مفارقة للجماعة، وكان ذلك من الخطورة ما أدى إلى إهدار دماء هؤلاء المفارقين قومهم، المقوّضين صرح قبيلتهم.
وإضافة لقيمة الحياة الجماعية في ذلك الآن، علينا أيضا أن نتذكر أن مجرد مغادرة المدينة للتبدي والعودة إلى البادية لمن استقر بها كان مستهجنا بل مرفوضا غير مقبول. يقول الدكتور جواد علي34 : « وقد أبطل الإسلام كل سمة من سمات الجاهلية وعلامة من العلامات التي كانت تعد من صميم حياة الجاهليين. وفي جملتها المثل الأعرابية والحياة البدوية، فاعتبر الأعرابية بعد الإسلام ردة، ونهى عن الهجرة من المدن إلى البوادي، فكان الأعرابي إذا دخل الإسلام، لزم الحضارة، وكلف بواجب الجهاد في سبيل نشر الإسلام، لما في التبدي والأعرابية من ابتعاد عن الجماعة وترك للواجب الملقى على المواطن في الدفاع عن الإسلام وفي العمل على إنهاض المجتمع والإنتاج في سبيل الخير العام. لذلك لام الناس "أبا ذر الغفاري"، حين لجأ إلى "الربذة" فأقام بها وتعزب بذلك عن الجماعة ».35
5 - الردة/التبديل في التاريخ الإسلامي
إن المأثور في التاريخ الإسلامي عن الردة أنها كانت رفض القبائل العربية بعد وفاة النبي دفع الزكاة لخليفته، ومن هنا كانت قولة أبي بكر المشهورة: « والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه للنبي صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ».36
      أ - تاريخية الردة/التبديل في الإسلام :
وقع في الموسوعة العربية الميسرة في تعريف الردة : « رجوع قبائل العرب _ فيما عدا قريش وثقيف _ عن الإسلام عقب موت النبي. ومنهم من طالب بتخفيف الصلاة، أو بعدم أداء الزكاة. حاربهم أبو بكر حتى ردهم إلي الإسلام ».37
فما عاب المسلمون على المرتدة هو رفضهم للنظام السياسي الجديد كما جاء به الرسول، بينما لم يرفض أهل الردة الدين أساسا، بل تنصلوا من زعامة من خلفه ورفضوا ضرورة الإذعان وخاصة في فرض الزكاة التي بدت لهم كالإتاوة تعبر عن خضوعم للمدينة بينما لم يرضوا بذلك إلا لشخص النبي.
فبينما رأى المرتدة أن علاقة الإذعان للرسول كانت سياسية، ولم تربطهم إلا بشخصه، كان رأي أبي بكر أن العلاقة أساسا دينية ربطتهم بنظام مما يجعل رفض الإذعان لهذا النظام خروجا عليه وتقويضا لصرحه. فليس ضرورة الأخذ بالدين هي التي كانت وراء محاربة أبي بكر للمرتدة بل الخوف من انهيار صرح الدولة التي بناها خاصة وأنها لم تتمكن بعد من الاستقرار.
وهكذا، خلافا لعمر الذي كان ينظر لارتداد العرب نظرة دينية بحتة، فلم يكن يحبذ الحرب، رأى أبو بكر الرأي السياسي الصائب للحفاظ لا على كيان الدين في الصدور، وإلا لفعل فعل عمر، وإنما كيان النظام الذي بناه والدولة التي أقرها.
هكذا إذا لم يحارب الخليفة الأول أساسا من نبذ الدين أو ارتد عن الإسلام، بل حارب من خالف النظام وسعى لتقويض صرحه ببث الفتنة وعدم الإذعان لحكام الدولة الفتية. ولا شك أنه لو لم يقم بتلك الحروب لما دامت دولة الإسلام بما أن رقعتها كانت في فترة تلك الحروب تكاد لا تتجاوز مكة والمدينة داخل الجزيرة العربية الثائرة.
هذا وقد رأينا أثناء هذه الحروب، خاصة مع خالد بن الوليد، ما بيّن صراحة أن الحرب استهدفت حتى بعض من لم يكن يُشك في بقائهم على الإسلام، كما كان الحال مع قوم مالك بن نويرة، وذلك لأن خروجهم عن النظام القائم كان كافيا لوحده للتشكيك في حسن نيتهم وسلامة عقيدتهم.
نعم، لقد عد بعض المؤرخين ذلك الحدث من أخطاء خالد التي عاقبه عليها عمر بعد موت أبي بكر، ولكن لم يكن ابن الوليد الوحيد في عدم الاكتراث بالدوام على الإسلام ومطالبة التدليل على البقاء على العهد السياسي. وكل هذا يبين أن المهم في تلك الفترة العصيبة كانت ضرورة النظام واستتاب الأمن لا الإيمان والذب عنه؛ ذلك لأن الإيمان مقامه أساسا داخل النفس.
      ب - الردة الفقهية هي التبديل :
بينا في ما سبق أن الردة بالمعنى الذي عرفته الشعوب العربية الإسلامية هي في الواقع التبديل للدين كأساس من أسس النظام ومقوّم من مقوامات المجتمع.
فلا ردة بدون تبديل للدين في معناه الواسع في ذلك الوقت أي النظام القائم. فنحن نعلم أن دين الإسلام هو دين ودنيا، فهو عماد الارتكاز للدولة الإسلامية، إذ كان يمثل ما سماه في ما بعد عالم الإجتماع الشهير أميل ديركايم الاجتماع الرباني.38
ويكفي أن نعود إلى ما صح عن النبي، أي قوله « من بدّل دينه فاقتلوه »39 لنتبين أن المعني بالحديث الشريف هو التبديل كما بيناه أعلاه لا مجرد الردة كما جاءت في القرآن.
ومما يؤكد أن الردة الدينية هي التبديل ما جاء في سورة التوبة حول المنافقين الذين استهزؤا بالنبي وصحبه مرجعهم من غزوة تبوك، إذ رغم أن الله كفّرهم،40 فلم يقم النبي عليهم أي حد.
نعم، يقول الفقهاء لتفسير ذلك أنه من الكفر القولي، وأن الكفر هنا ليس إلا في القول أو حتى الفِعل، دون الإصرار عليهما وخاصة دون الانتقال إلى دِين آخر. لذلك لا ردة إذ صح أن الرسول الأكرم كان يُعامِل المنافقين مُعاملة المسلمين لظاهرهم وهو الإسلام.
فالردة الدينية هي إذا تبديل الدين بالانتقال إلى دِين آخر، والإصرار على ذلك. وليس لها حد في القرآن ولا السنة حتى وإن أجمعت الفقهاء على أن مَن بدّل دينه، فإنه يُستتاب، فإن اصرّ على كفره قُتِل. ومن ذلك ما يُروى عن الإمام مالك : « مَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ».41 وذلك لأن الفقهاء خلطوا الردة بالتبديل.
      ج - الانقلاب السياسي هو الردة :
سبق أن بينا أن الإسلام دين ودنيا، وأن الرسول الكريم كان في نفس الآن المبلّغ للرسالة السماوية وباعث دولة كانت أساس حضارة عظيمة.
إلا أن هذه الحضارة والدين الذي كان منبعها لم يصلا إلى الحد الكافي من الانتشار والتأسيس عند وفاة الرسول. لذا وجب حفظهما كما يحفظ كل نظام نفسه من أي محاولة انقلاب أو ثورة تعصف بما جاء به.
فالحال كانت تلك مع ما سمي بحروب الردة التي ما كانت إلا ثورة على سلطة المدينة والنظام الذي أقامته باسم الدين. فالردة في ذلك العصر كانت مسمى للخلاف السياسي الحاد، الخلاف السياسي المسلح، إذ لا يجب أن ننسى أن الخلاف كان جماعيا، أي قبليا، وأن كل قبيلة كانت لا تعرف للدفاع عن مصالحها أو فرضها إلا منطق القوة. وكل هذا يختلف طبعا عن معنى الردة كما نعرفه اليوم، أي الخروج الفردي من دين إلى دين آخر أو حتى إلى لا دين.
فالردة اليوم هي من باب التعبير الفردي عن القناعة الشخصية، وليس في ذلك أي تعبير سياسي، ولا رفض لمنظومة اجتماعية أو تهديد للأمن وتماسك المجتمع. فهل نخاف اليوم على ديننا من أن يصيبه أي لأجل أن البعض منا أراد هجره؟ إنه من الخور أن نقول ذلك لمجرد التمسك الأعمي بما وصل إليه اجتهاد الفقهاء في عصرهم.
لذا، فكما فعل الفاروق عمر، الذي كان في رأيه إزاء أهل الردة سبّاقا لما رآه يصلح لديننا، علينا أن نفهم اليوم حديث الرسول الأكرم في قتل من بدل دينه على حقيقته، أي أنه كلام إمام الأمة ورئيس دولتها لحفظ أمنها وسلامتها في فترة عصيبة من تاريخها والدولة بصدد التأسيس.
فالحديث النبوي إذا لا ينسخ بتاتا ما ورد بالقرآن الكريم في الغرض،42 فهو قرار صائب لاختلاف سياسي مسلح، في نطاق الصلاحيات السياسية لأولي الأمر، وليس فيه أي تعميم لكل المسلمين ولا لكل زمان ومكان خاصة وأن الإسلام تمكن بعد من القلوب واستقرّ بها.
فاليوم لهو زمن الجهاد الأكبر لأجل الإسلام، لأن الجهاد الأصغر ولى وانقضي. لذلك فلا يجب منع الارتداد عن الاسلام بل العمل بالمثل الأفضل ومكارم الأخلاق على أن يكون الدخول للإسلام بحق نهائيا لأجل القناعة والاقتناع بمبادئه لا للخوف من عاقبة الخروج منه، وقد انعدم الخطر لمثل ذلك الخروج ما دام لم يكن من باب التبديل والفساد والإفساد الجماعي الذي به تتكون المؤامرات على أمن ودعة المسلمين.
6 - حكم الردة الحالي في الإسلام
نعود الآن لنفصل ما سبق حتى نبين الوضع الحالي للردة في ديننا، مع التذكير بأن معناها الحقيقي يختلف حسب المصدر؛ فبينما هو في القرآن المعنى المعهود في مفارقة الدين على المستوى الفردي، فهو في السنة وعند الفقهاء بمعنى التبديل للدين على مستوى الحراك الجماعي بما في ذلك من عواقب عسكرية وإسقاطات سياسية. لذا، عند الضرورة، سنقرن مفردة الردة بالمفردة التي تبيّن معناها الحقيقي، أي التبديل، حتى تكون الأمور واضحة تمام الوضوح.
      أ - موضوع الردة قرآنا :
بيّنا سابقا أن الإسلام يضمن حرية الاعتقاد بما فيها اعتناق الإسلام. أما الارتداد عنه بعد ذلك، فقد تعرضت له آيات نستعرضها في ما يلي :
- الآية 217 من سورة البقرة : « وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ».
- الآية 54 من سورة المائدة : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ».
- سورة محمد، الآية 25 : « إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ».
- الآية 106 من سورة النحل : « مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ».
- الآيتان 87/86 من سورة آل عمران : « كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ».
- الآية 115 من سورة النساء : « وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ».
- الآية 137 من سورة النساء : « إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ».
كل هذه الآيات تبيّن بما ليس فيه أدنى شك أن مسألة الارتداد عن الدين هي مسألة بين الله وعبده؛ فإن أعظمها الله، فهو لم يخصها بأي عقاب دنيوي، تاركا الأمر للآخرة. فليس لأحد حق إكراه المسلم على ما يعتقده بأية وسيلة من وسائل الإكراه؛ والله يعطي بنفسه المثل في ذلك بضرورة الدعوة بالإقناع وبدليل العقل أو بالترغيب في ثواب الآخرة والتخويف من عقابها. كل ذلك حتى يكون الإيمان صادقا لا إكراه فيه، لا تشوبه شائبة.
نعم، إن الله يلعن المرتد من خلقه ويتوعده غضبه والقرار بجهنم، لكنه لا يقضي عليه بتاتا بالقتل؛ إذ هو يُبقي باب التوبة دوما مفتوحا على مصراعيه. وهذا مما يؤكد أن الإسلام يحث ويسهر على أن يكون الإيمان حرا وعلى أن يبقى حرا، فلا مانع للارتداد إلا الضمير والوازع الشخصي، وإلا فسدت حرية الإنسان في تقديسه لخالقه. ولعل ما يؤكد هذا التوجه ويلخصه خير تلخيص قوله تعالى : « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ».43
وإضافة للآيات المذكورة التي استعملت عبارة الردة صراحة دون أن تتحدث البتة عن حدّ يوقع على المرتد ولا حتى عذاب دنيوي يطاله، مكتفية بالإشارة إلى عذاب الآخرة وإلى عقاب الله وغضبه، هناك آيات أخرى في نفس المعنى لم تُذكر الردة فيها إلا بالمعنى، ومنها ما يلي :
- سورة النحل الآية 109 : « مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ».
- سورة النور، الآية 55 : « وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ».
- سورة النساء، الآية 137 : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا ».
فواضح إذا كل الوضوح أن مثل هذه الآيات هي كسابقاتها، أي ليست إلا تقريرا من الله وتأكيدا لحرية الإنسان في الاعتقاد، فهو حر في أن يعتنق الإسلام، كما أنه حر في الإعراض عنه، سواء أكان ذلك عند الاعتناق أو بعد بالارتداد. فليس من حق أحد - وقد مُنع الرسول نفسه من ذلك مثلا - أن يعترض على الحرية الشخصية في الخروج من الدين، إلا إذا كان ذلك الخروج بالمعنى السياسي الذي بينّا، وهو التبديل للدين كنظام دولة، وهي الردة كما عرفها التاريخ العربي الإسلامي، أي ذلك العمل الذي يعد تحديا للدولة ونظامها و خروجا على دستورها وعلى حكّامها الشرعيين.44
ولا شك أن هذا لا يُستغرب من دين هو بحق خاتم الأديان؛ إذ كيف يكون الإسلام خاتما للأديان إذا منع مثل هذا الحرية الإنسانية في إمكانية الدخول والخروج من الدين بكل حرية وسلامة؟
      ب - موضوع الردة/التبديل سنة :
لا مجال في الشك من أن حكم الردة بمعنى التبديل ثابت في السنة الصحيحة؛ وهو يستند خاصة على الحديثين التاليين :
- « من بدل دينه فاقتلوه »؛45
- « لا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ».46
وهذا الحكم الثابت في الردة وقع تطبقيه من طرف النبي في حياته كما طبقه الصحابة من بعده. إلا أن المعنى للردة هنا غير ما سبق أن رأيناه بالقرآن، إذ هو في السنة بمعنى التبديل، أي أن المساس بالدين كان صريحا والإخلال بالأمن العام جهرا ومقصودا.
فالمرتد في كلام رسول الإسلام هو المبدّل لدينه، أي أنه ليس ذاك الشخص المنفرد المعني بالقرآن الذي يغيّر عقيدته لأسباب شخصية وقناعات لا تخص غيره. إن المعني في الحديث النبوي هو مجموعة الناس التي تعلن التمرد على دولة الإسلام، ممتنعة من الامتثال لأوامرها كدفع الزكاة مثلا، ثم هي تهاجم السلطة السياسية محاولة إسقاطها.
فما يكون الحال اليوم أمام عصيان مدني أو امتناع عن دفع الضرائب وإفساد الأمن العام؟ فالردة هنا هي بمثابة الخيانة العظمي التي تستوجب الإعدام؛ لذلك كان حكم المرتد في السنة القتل، كما يُقتل من خان بلاده إلى اليوم حتى في الدول الديمقراطية، إلا إذا منعت عقوبة الإعدام.47
فمعنى الردة في السنة هو بمعنى التبديل وابتغاء التبديل، أي الخروج على الدولة، والتآمر على أمنها، ومحاربة سلطاتها. أما في القرآن، كما رأينا، فمعنى الردة هو ذلك الذي لا يُقصد به إلا تغيير الشخص لدينه لمجرد اقتناعه الشخصي ورأيه في الدين وحكمه عليه، فلا عقاب عليه إلا أخرويا، كما جاء بصريح عبارة القرآن الكريم.
      ج - موضوع الردة/التبديل فقها :
تطبيقا للسنة الصحيحة، أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد،48 وذلك بمعنى المبدّل، أي ما يمكن تسميته اليوم بالمنقلب عسكريا على النظام القائم أو الآتي بخيانة عظمى لشعبه.
وللتأكد من صحة النية في الإنقلاب على النظام أو خيانة الوطن، وباسم العدل والابتعاد عن الحكم بالظنة، رأى الفقهاء وجوب استتابة المرتد، أي الثائر على النظام، قبل قتله. وهناك من جعل ذلك على الاستحباب، ومنهم من جعل مدتها ثلاثة أيام؛ وبعضهم ذهب إلى أنه يستتاب، ويؤجل ما رُجيت توبته. كل هذا يبين قيمة الحرية في الإسلام، إذ هي الأساس، حتى في حالة خطيرة كالانقلاب على النظام؛ فالتوبة تبقي منشودة إلى آخر المطاف.49
7 - نحو موقف إسلامي أصيل
هكذا إذا لا مانع للارتداد عن الدين الإسلامي ما دام ذلك من باب تعاطي الحرية الشخصية في الاعتقاد كما يضمنها الدين؛ وهذه هي الردة الفكرية أو السلمية التي جاء بها القرآن.50 أما إذا وصل ذلك الارتداد/التبديل إلى حد خيانة الوطن أو إعلان العصيان المدني أو إشعال الحرب في البلاد، فذلك هو المحرم شرعا.
فالارتداد إذا كان من حرية الفكر، فهو أيضا في حرية الكفر؛ أما إذا أمسى الارتداد ذاك التبديل للدين كأساس مكون للنظام السياسي والاجتماعي ما من شأنه الاضرار بالأمن العام، فذاك هو الممنوع شرعا.
لذا وجب التفريق بين المعنيين؛ ففي الحالة الأولي، هناك خروج من الإسلام، لا تعكير فيه للأمن العام، فلا منع ولا تحديد له، إذ ليس في القرآن إلا التقريع للثواب إلى الرشد؛ وأشد ما فيه الوعد والوعيد، لا أكثر. أما في الثانية، فهناك خروج على الإسلام، بما في ذلك من عنف سياسي وانقلاب على السلطة الشرعية. وهذا الذي منعته السنة والفقهاء.
الحالة الأولى، هي الردة كما جاءت في القرآن وكما نفهما اليوم، وهي من الحرية الشخصية؛ أما الحالة الثانية فهي التبديل كما لخصته السنة وفهمه الفقه الإسلامي، إذ هو من الاعتداء على الحرية العامة.
ولنلخص في ما يلي كل ما بيناه بالتفصيل مع بعض الإضافات القليلة لاستيفاء الحديث في الموضوع.
      أ - الردة من الزاوية الدينية :
الردة هي إما شخصية، متعلقة بحرية الاعتقاد، وهي موازية عندها لحرية اعتناق الإسلام، فلا موانع فيها ولا عقوبة إلا أخروية إذا شاء الله وأراد. وإما هي عمومية، متمثلة في عصيان مدني أو خيانة عظمى أو انقلاب سياسي؛ فهي عندها ما سميناه بالتبديل، وهي طبعا ممنوعة وتستوجب الردع بما فيه القتل، إذا لم يكن ممنوعا، لأن حياة المجتمع ودوامه تقتضي ذلك.
ولعله من الضروري الإشارة هنا إلى ما تقتضيه جدلية الدين والسياسة في الإسلام من حتمية التفريق دوما بين ما هو سياسي وما هو ديني؛ فلا شك أن الدين أعلى من السياسة لأنه يخص العلاقة المباشرة بين العبد وربه، ولا دخل فيها لأحد. ولكن ذلك لا يعنى أن السياسة تخضع للدين، إذ لا علاقة لها البتة به، ما دامت تخص البشر وتختص بما يلائم دنياهم؛ ودنيا البشر تتطور وتتغير فلا تبقى على حال. وطبعا، للسياسة أن تستلهم مبادئها من الدين، ولكنها لا تأخذ ضرورة بالحرف منه، بل بروح الشريعة ومقاصدها لأنها هي التي تمثل الأزلية في تعاليم الدين.
فلا ردة ممنوعة في الإسلام دينيا، بل هي ممكنة كاعتناقه في جو تام من الحرية لا ينقضها وعيد الله بالويل والثبور في الآخرة، لأن ذلك من باب الحث على التمعن في محاسن الدين ومجاهدة النفس لتتفتح على ما جهلته من حكمته فعمت عنه. ولعل أفضل وأروع ما يلخص المسألة العقدية في الإسلام والحرية اللامتناهية التي تميزها سورة الكافرون التي هي بمثابة الإعلان الرسمي للحرية العقائدية في الإسلام، فالحرية فيه أساس الإسلام : « لكم دينكم ولي دين ».51
ولمزيد الاعتبار، هذه بعض الآيات الأخرى في حرية المعتقد في الإسلام.52 يقول تعالى :
- سورة البقرة، الآية 256 : « لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ».
- سورة يونس، الآية 99 : « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ».
- سورة الشورى، الآية 48 : « فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ».
- سورة الكهف، الآية 29 : « وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ».
- سورة الغاشية، الآيات 22 إلى 26 : « فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ».
- سورة الإنسان، الآية 3 : « إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ».
      ب - الردة من الزاوية السياسية :
أما الردة كما عرفها العرب فهي التبديل للدين ومحاولة قلب النظام الذي أسسه، وهي بذلك ردة سياسية. ولعل مما يؤكد هذا، ذلك الربط الذي قام به الفقهاء بين قاطع الطريق أو المحارب والمرتد، إذ جعلوا المحارب مرتدا؛ لأن المحارب يقوم بما يقول به المرتد في الاعتداء على الأمن العام وبلبلة النظام الإجتماعي وتقويض صرح الدولة الإسلامية.53
وواضح أن إشكالية المعارضة في الإسلام لهي من التعقد بمكان، إذ أن الخلط وارد بين ما هو ديني وما هو سياسي؛ فطبيعة الإسلام المزدوجة لكونه الدين القيم ودنيا المعاملات أدت لبعض الخلط والعديد من التجاوزات التي وجب الإشارة إليها للحد منها.
فلا بد من التذكير أن الإسلام كدين يبقى دين الحرية المطلقة. لذا رأيناه يتزعم حروب التحرير ويساند تطلعات الشعوب للانعتاق من ربقة كل استعمار. أما حين يتم استغلال الدين سياسيا، فتوظفه الدولة لأغراضها، أو حين تجعل سياستها من تعاليمه، فهو يحافظ رغم ذلك _ وعلى الأقل مبدئيا _ على تلك الحرية لما تتميز به من خلق علاقة مباشرة بين الله ومخلوقاته؛ فلا مرجعية دينية مطلقة في الإسلام لا للدولة و لا لممثليها، بل مرجعية كل مسلم كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة.54
لذا، لا دخل للسياسة في الدين الذي هو أمر الله مع عباده؛ فليست هي إلا من أمور العباد مع بعضهم، لهم فيها أن يستنيروا بكتاب الله وسنة رسوله، سواء كما جاء في النص إذا وافق المصالح العامة، أو كما تقتضيه مقاصد الشريعة وتفرضه حالة المجتمع في تقلباته، أو كما تراه الأغلبية.
وفي هذا الميدان السياسي، لا ردة محضورة ولا تدخل في الضمير البشري، إلا إذا كانت انقلابا حقيقيا على الوضع القائم برمته، تماما كتبديل نظام جمهوري إلى نظام ملكي أو دكتاتوي جراء انقلاب عسكري. والتاريخ الإسلامي يزخر بالأمثلة على الاستغلال الديني من قبل السلطة الحاكمة، والتي طالت حتى العلماء، لا لشيء إلا لأجل مناهضتهم للحكم القائم.55 ولقد كان الحجاج بن يوسف سباقا إلى ذلك عندما اتهم بالردة سعيد بن جبير أحد كبار التابعين لخروجة على عبد الملك بن مروان.
      ج - الردة من الزاوية الحضارية :
إن المجتمعات البشرية مبنية على الاختلاف، وركيزة العيش الآمن بعضا مع بعض هي الحريات، خاصة منها حرّية الإيمان وحرّية الاختيار وحرّية الفكر وحرية القناعات الشّخصية.
وقد بادر الإسلام بإقرار هذا في زمن لم يعرف مثل تلك الحريات، إذ لم تدخل في المنظومة القانونية للبشرية إلا بعد وقت طويل. لذا، من الغريب أن ندّعي اليوم على هذا الدين التأخر في مثل هذا الميدان بتأويلات غير صائبة تهضم حقه وتشوه روحه. فليس من يدعي على الإسلام ما ليس منه، بتجاهل ما كان من تأويل حسب نصه أو أخذا بروحه، إلا من نوع ما عرفه تاريخنا من ساسة فقهاء أو فقهاء البلاطات الذين لا يخدمون الإسلام في شيء، وإنما يسعون لمصالحهم بتأويل هذا الدين السمح حسب أهوائهم أو أهواء الساسة أرباب نعمتهم.56
فالردة في مفهومها السليم، أي حرية الارتداد عن دين تم اعتناقه بكل حرية، لهي مطابقة تماما للتوجه الحضاري الذي يقتضي حرية البشر الكاملة في كل ما يخص أمور العقيدة والفكر والرأي.
وهذا ما فهمه الإسلام منذ البداية وهو، كما رأينا، دين حضارة، إذ أكد مرارا أن لا إكراه في الدين؛ وغير معقول أن نقبل بهذه الحرية في الدخول للإسلام ثم نرفضها عند ابتغاء الخروج منه وإلا نخالف، لا روح الدين ومقاصده فقط، بل وحتى تعاليمه الصريحة بنصوص لا غبار عليها.
وقد بدأ المسلمون بالتنبه لهذا؛ فخلافا للتيار المتزمت الذي لا زال يرى أن للردة حد في الإسلام وأنها محضورة شرعا في مختلف مفاهيمها، هناك من الفقهاء والباحثين في مجال الحضارة الإسلامية ممن يقول أن الأصل في الدين هو حرية الاعتقاد، سواء بالاعتناق أو الارتداد، وذلك بموجب آية محكمة من آيات الكتاب. ومن هؤلاء الدكتور المغربي، صاحب نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي،57 أحمد الريسوني، والأستاذ جمال البنا، الشقيق الأصغر لحسن البنا، مؤسس جماعة الأخوان المسلمين،58 والدكتور طه جابر العلواني، رئيس المجلس الفقهي وجامعة قرطبة بالولايات المتحدة الأمريكية.
وهناك أخيرا التيار الذي ينعت نفسه بالوسطية والذي يمثله الدكتور يوسف القرضاوي،59 وهو أهم هذه التيارات. وعتده تنقسم الردة إلى نوعين : النوع المباح، وهو الخروج من الدين، ولكن على شرط الهدوء والسكينة؛ والنوع المحضور الذي يستوجب العقوبة، وهو الخروج المصحوب بتهديد للجماعة المسلمة. وهذا الموقف الوسطي غير واضح المعالم، خاصة في ما يخص تحديد طبيعة العقوبة المترتبة على استهداف الأمن من طرف الجماعة المسلمة بعد الخروج من الدين. كما أن الشرط الذي تقتضيه في الخروج المسالم وهو عدم الإثارة من شأنه خلق بعض الإشكال، إذ يقتضي أن يكون ذلك بالتكتم أوخفية أو خلسة، مما لا يتناسب مع مقتضيات عصرنا الحاضر.
أما عندنا، فلا حجة، بعد كل ما بينا لمن يدعّي أن الإسلام يمنع حرية الخروج منه بطلاقة لا بخفية وبالتكتم لأن المسلم الحقيقي هو العبد الحر الذي لا يستكين إلا لخالقه.
إن الإكراه في الدين باطل، وهو مطية النفاق. فلا إسلام بإكراه لأن الإيمان ليس بالسجن الذي يُحبس فيه المؤمن ولا يمكن له مغادرته. فلا مكره على الإسلام وإلا فليس هو بالمسلم؛ لذا، فلا ردة تُمنع ما دامت على مستوى العقيدة الشخصية.60 فالرضا الحقيقي الحر أساس العقيدة في الإسلام، لأنه أساس كل شيء فيه؛ وذلك ما يؤكده في الحديث النبوي : « رضيتُ بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا ».61
فإننا إذا منعنا من يدخل الإسلام من الخروج منه حكمنا عليه بأن يسجن نفسه داخل دين دون رغبتة، فهو يبقى به لا لأنه الدين القيم الأوحد، بل لأنه الحبس الذي لا يمكن له مغادرته إلا إلى القبر. وحاشى أن يكون هذا من دين محمد، دين الرحمة والمحبة، ودين الله، دين المغفرة المستدامة لكل من حسنت نيته، وذلك لآخر رمق في حياته.
فبهذا، وبهذا فقط، يكون الإسلام بحق خاتم الأديان؛ وبهذا يكون الإسلام حنيفا، أي أنه أولا وقبل كل شيء هذا الإيمان بالله والتوحيد به، لا ضرورة بإتيان شعائر والتظاهر بالإتيان بها. فالشعائر ضرورية لترسيخ الإيمان والتذكير بروحه، وهي لا تعوض الإيمان بضرورة التزام شعائر معينة، لا تنتمي إلا لثقافة بشرية خصوصية متجاهلة الثقافة الإنسانية. ولعل ما يؤكد هذا التفتح من الإسلام لكل ثقافات العالم وكل نوع من الإيمان به، ما دام خالص النية موحدا لله، هو قبوله للديانات التوحيدية التي سبقته في نطاق الإيمان بالله، جاعلا من الإسلام أقل درجة من الإيمان، وذلك إعلاء منه للثقافية الإسلامية على الجانب الشعائري البحت.
و في الختام، من المفيد أن نتساءل عما تواترت به الأخبار عن الرسول في عدم إمكانية الجمع بين دينين بالجزيزة العربية، مما حدا بالخليفة الراشد الثاني إلى تهجير من لم يكن مسلما من أهل الكتاب عن الجزيرة.
لنذكر أولا أن ذلك كان من باب تزامن الدين في صفته الدنيوية مع مقتضيات العصر وقواعده السياسية، وقد ظل العالم يعمل بها إلى عهد قريب كما رأينا ذلك في الأندلس عند سقوط غرناطة عندما أخرج المسيحيون من جزيرتهم كل من لم يعتنق دينهم.
ولا شك أن هذا الجانب الدنيوي السياسي مما ولى وانقضى، فليس هو من قواعد الدين البتة، بل هو لزوما مما يزول بمقتضى أصول الدين الأزلية نفسها، ولا حاجة إلى ضرورة تبيان أو تدليل لبديهية المسألة، وإلا أخللنا على الأقل بقاعدة أساسية من الإسلام ألا وهي كونيته.
ولنا أن نبيّن، ثانيا، أن حال الأسلام عند موت الرسول لم يكن من التمكن والتمتن ما يمكنه من تطبيق كل تعاليمه الثورية، ومنها طبعا كونيته، خاصة وأنها من التعاليم الجديدة التي لن يكن للناس بها دراية. لذا، كان من الضروري والطبيعي أن يحافظ أولا على كيانه حسب أحوال الزمان والمكان حتى يتمكن لاحقا من تطبيق أحكامه الثورية؛ وليس أبعد حكمة من هذا التوجه. فلا مجال لانتقاد الإسلام لعمل موافق لأخلاقيات الزمان وإلا كان ذلك من منطلق أخلاقيات اليوم ومفاهيمه، وهو من الإسقاطات المستهجنة التي لا يسمح بها لا المنطق ولا النزاهة التاريخية.
ولنختم مقالنا هذا كما بدأناه مع الحطيئة الذي، كما نعلم، لقب له لقصره وقربه من الأرض؛ ولنقل أن أهل الإسلام من سلفية الأكاذيب اليوم كهذا الشاعر في قصر نظرهم للإسلام وقرب فهمهم لروعته إلى الحضيض. فهم مثله في مضرتهم للإسلام، إذ كان الحطيئة يعيش بالهجاء الذي أصبح طبعا له. وهذا حال سلفيتنا اليوم، حطيئة الزمان في هجاء الإسلام!
وقد بلغ بجرول، وهو الإسم الحقيقي للحطيئة، أن ذهب به سوء طبعه هذا إلى أن هجا أمه وامرأته وبنيه وحتى نفسه. ذلك أنه كان التمس يوما من يهجو فلم يجد أحدا وقد أخذ منه الهجاء مأخذا، كما قال :
أبت شفتايَ اليوم إلا تكلّما | بشرّ، فما أدري لمن أنا قائلُه ْ
فإذا به يطّلع في ركيّ، أي جبّ، فيرى وجهه في الماء. فأنشد قائلا :
أرى لي وجها شوّه الله خَلقَه | فقُبّح من وجهٍ وقُبّح حاملهْ62
ومعروف أنه لما قاربه الموت، وكان ذلك في أواخر خلافة عمر بن الخطاب، أوصى أن يُحمل على أتان ويُترك عليها حتى يموت. فلما حمله أهله على الأتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون، كان يقول حتى وافته المنيّة :
لا أحدٌ ألأم من حُطيّةْ | هجا بنيه وهجا المُرَيّةْ
من لؤمه مات على فُرَيّةْ63


وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة المستوحاة من تعاليم إسلام ما بعد الحداثة لتجديد العروة الوثقى الإسلامية، وهي في التدليل أن القداسة في الإسلام معنوية وليست مادية.
فرحات عثمان
الهوامش :
1 يمكن العودة هنا مثلا إلى الكتاب القيم في هذا المضمار لفؤاد عبد الباقي : اللؤلؤ والمرجان في ما اتفق عليه الشيخان، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع.
2 يقول مثلا مالك بن أنس، وهو المرجع الفقهي ببلادنا : «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه» ( ابن عبد البر في الجامع 2/32). وطبعا الإحالة على القرآن والسنة هي إحالة لا على النص وحده بل وعلى مقاصد الشريعة وروح النص، وإلا انتفت علمية الدين وعقلانيته. وما قاله مالك وغيره من الفقهاء لا يعدو أن يكون تأكيدا لقوله تعالى في الآية 3 من الأْعراف : «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون».
3 ومن هؤلاء ولا شك، العديد من الفقهاء الذين قبلوا بتوظيف الدين للسياسة، كما عرفنا ذلك في العهد البائد. ويكفي هنا الإشارة إلى الزهري وقد أجمع المؤرخون على التحرز من العديد من مقولاته، أو المحدث الكبار أبي هريرة الذي اشتهر بلقب شيخ المضيرة لولعه بهذه الأكلة الفاخرة التي كان يشتري بها معاوية ابن أبي سفيان ضمائر الأحرار. أنظر مثلا، في الموضوع، كتاب محمود أبو رية : شيخ المضيرة، أبو هريرة، منشورات مؤسسة الأعلى للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط 3، مزيدة ومعدلة، دار المعارف، مصر.
4 ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى أن الحطيئة كان من الذين ارتدوا رافضين خلافة أبي بكر الصديق، ولم يقتصر موقفه علي الرفض فقط، بل هجا الصديق وحرض قومه عليه. مع العلم أنه لما استتب الأمر للخليفة، لم يصدر منه أي رد فعل تجاه الحطيئة ولا عاقبه على ما قال فيه بهجائه اللاذع. وهذا مما يؤكد سماحة الإسلام وعدم الخلط فيه بين مجرد الخلاف السياسي، الذي لا عقاب فيه، والتبديل للدين، أو الانقلاب السياسي، الممنوع شرعا، كما سنبيّنه بالمتن.
5  وهي الآيات التالية : 1 - (برَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ)، 29 - (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، 36 - (وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)، 41 - (انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا)، .
6 سورة يونس، الآية 99.
7 سورة الإنسان، الآية 3.
8 سورة الشورى، الآية 48.
9 سورة الغاشية، الآيات 22- 26.
10 سورة الكهف، الآية 29.
11 سورة البقرة، الآية 256.
12 يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى : «فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» : هذا من باب التهديد والوعيد الشديد ؛ ولهذا قال : (إِنَّا أَعْتَدْنَا) أي : أرْصَدْنا (لِلظَّالِمِينَ) وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) أي سُورها.
13 هناك من يستشهد بالآية 19 من سورة آل عمران (إن الدين عند الله الإسلام) و الآية 85 من نفس السورة (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ليقلل من قيمة هذه الحرية في الاعتقاد بالقول أنها لا تخص إلا الإسلام. أنظر مثلا : د. عبد العظيم المطعني، عقوبة الارتداد عن الدين، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1414هـ / 1993م، ص31، 32. ولا شك أن هذا من التعسف في شرح معنى الإسلام الذي هو أولا وقبل كل شيء التسليم لله والتوحيد له، ولا ضرورة الإسلام الشعائري. فالإسلام هنا بمعنى الحنيفية المسلمة أي الإيمان، بمعنى أوسع. وليس هنا الموضع للاستفاضة في هذا الموضوع الذي لنا إليه عودة لاحقا في نطاق السلسلة.
14 ووقع أيضا في اللسان : «ردد هي من الرد : صرف الشيء ورجعه، والرد مصدر رددت الشيء، ورده عن وجهه يرده ردا ومردا وتردادا : صرفه، وهو بناء للتكثيرويقول ابن منظور أيضا : «والردة بالكسر مصدر قولك رده يرده ردا وردة، والردة الاسم من الارتداد. وفي حديث القيامة والحوض : فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم أي متخلفين عن بعض الواجبات، قال ولم يرد ردة الكفر ولهذا قيده بأعقابهم لأنه لم يرتد أحد من الصحابة بعده إنما ارتد قوم من جفاة الأعراب».
15 يقول أيضا ابن منظور : «وفي الحديث : من أحال دخل الجنة، يريد من أسلم لأنه تحول من الكفر عما كان يعبد إلى الإسلام. الأزهري : حال الشخص يحول إذا تحول، وكذلك كل متحول عن حاله. وفي حديث خيبر: فحالوا إلى الحصن أي تحولوا».
16 راجع الشيخ منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع للحجاوي، 6 صـ 167 ــ 168
17 أنظر تقي الدين أبو بكر الحصني الشافعي، كفاية الأخيار في حل غايه الاختصار، 2/ 123.
18 راجع الشيخ حمد بن عتيق النجدي، رسالة الدفاع عن أهل السنة والاتباع، ط دار القرآن الكريم 1400هـ، صـ 30.
19 راجع الصارم المسلول على شاتم الرسول، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ / 1978م، صـ 459.
20 ومثال ذلك، في ما يخص أهل القبلة من زاوية أن أحكام الدنيا لا تجري إلا على الظاهر، ما قاله الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي : «ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى». وعلق شارح كتابه على ذلك «لأنـَّا قد أُمِرنا بالحكم بالظاهر، ونُهينا عن الظن وإتباع ما ليس لنا به علم»، راجع : شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، صـ 427، ط المكتب الإسلامي 1403هـ.
21 رواه البخاري ومسلم عَنْ أبي سعيد الخدريّ.
22 راجع إعلام الموقعين عن رب العالمين، 3/ 117.
23 الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر، دمشق، ط3، 1989، (6/ 183).
24 عند حديثنا عن معاني الردة لغة.
25 وذلك بالباب الرابع : الردة هي تبديل الدين.
26 هكذا نرى الدكتور يوسف القرضاوي يصرح دون أن يشعر بمدى تناقضه : «ولكن هذا المبدأ الذي أقره الإسلام مشروط ومقيد - أيضا - بألا يصبح الدين ألعوبة في أيدي الناس كما قالت اليهود فيما حكاه القرآن عنهم : {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (آل عمران، 72)؛ أي : آمنوا الصبح وفي آخر النهار تولوا وقولوا : لقد وجدنا دين محمد صفته كذا وكذا فتركناه، أو آمنوا اليوم واكفروا غدا أو بعد أسبوع ثم شنعوا على هذا الدين الجديد. فأراد الله ألا يكون هذا الدين ألعوبة في أيدي الناس، فمن دخل هذا الإسلام بعد اقتناع ووعي وبصيرة فليلزمه، وإلا تعرض لعقوبة الردة» (الجريمة، نقلا عن : الردة والحرية الدينية، د. أكرم رضا، دار الوفاء، مصر، ط1، 1426هـ/ 2006م، ص 184).
27 أنظر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق : فتاوى دار الإفتاء لمدة مائة عام، رقم (1228)، نقلا عن : الردة والحرية الدينية، د. أكرم رضا، دار الوفاء، مصر، ط1، 1426هـ/ 2006م.
28 المرجع نفسه.
29 وهو البند التالي : « من جاء محمدا من قريش يرده عليهم ، ومن جاء قريشا من المسلمين لا ترده إليهم».
30 وجاء أيضا في اللسان : «وقد جعلت العرب بدلت بمعنى أبدلت، وهو قول الله عز وجل أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها حسنات؛ قال : وأما ما شرط أحمد بن يحيى فهو معنى قوله تعالى : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، قال : فهذه هي الجوهرة وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها لأنها كانت ناعمة فاسودت من العذاب فردت صورة جلودهم الأولى لما نضجت تلك الصورة فالجوهرة واحدة والصورة مختلفة».
31فالرسول يقول : «من بدل دينه فاقتلوه» كما ورد في صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يعذب بعذاب الله، (6/ 173)، رقم (3017).
32 أنظر الفقرة : موضوع الردة/التبديل سنة، وذلك في الباب السادس.
33وتمام الحديث : Çلا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعةÈ، صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب : ما يباح به دم المسلم، (6/ 2608)، رقم (4296).
34 المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، دار الساقي، الطبعة الرابعة 1422هـ/ 2001م (8/194).
35 كما ذكر ذلك تاج العروس 1/ 380، مادة ÇعزبÈ
36 وفي نفس الإتجاه، يمكن ذكر قوله أن حربه لمن يفرق بين الصلاة والزكاة. لذا، يرى بعض المؤرخين أن نعت هذه الحروب بحروب الردة خطأ، إذ وجب تسميتها بحروب مانعي الزكاة.
37 الموسوعة العربية الميسرة، المجلد الأول، مادة ردة (بكسر الراء)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ص ٨٦٥
38 Le divin social, Emile Durkheim
39 صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يعذب بعذاب الله، (6/ 173)، رقم (3017).
40 قال الله فيهم في سورة التوبة : Çولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم... (66) È.
41قال ابن عبد البر : Çوظاهر هذا الحديث يُوجِب على كل حال مَن غّيّر دِين الإسلام أو بَدَّلَه فليقتل ويُضرب عنقه إلاّ أن الصحابة قالوا : إنه يُستتاب فإن تَاب وإلاّ قُتِل ، فكان الحديث عندهم خرج على مَن بَدّل دِينه وتَمَادى على ذلكÈ.
42الصحيح حاليا عند الفقهاء هو أن الحديث ينسخ القرآن بمقولة أن ما أُوتيه الني إنما هو وحْي يُوحَى. ولعل أكبر دليل علئ ذلك نسخ الحديث للعقاب الوارد بالآية 15 من سورة النساء. وهذا مما توصل له اجتهاد الفقهاء في زمن خلا، وليس هو بالتنزبل العزيز حتى نلتزم به على الدوام؛ فحسب هذ الاجتهاد، كما يقول الإمام الأوزاعي حسب ما ذكره السيوطي في مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة : Çالسنة جاءت قاضية على الكتلب ولم يةلء الكتاب قاضيا على السنةÈ. ويعارض هذا قول بعض أهل الحديث أن Çكتاب الله مقدّم على كل قولÈ، حسب عبارة مسعود بن عمر التفتزاني في Çالتلويح على شرح حقائق التنقيحÈ. ويمكن للتوسع في هذا الموضوع مراجعة جورج طرابيشي : من إسلام القرآن إلى إسلام السنة. النشأة المستأنفة، دار الساقي، بيروت-لندن، 2010.
43 الآية 125 من سورة النحل.
44ولنقرأ، تأكيدا على ذلك، ما يقول ابن قيّم الجوزية في إعلام الموقعين (3\339) : Çفأما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات كالجناية علي الأنفس فكانت عقوبته من جنسه و كالجناية علي الدين بالطعن فيه و الارتداد عنه و هذه الجناية أولى بالقتل و كف عدوان الجاني عليه من كل عقوبة إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم و لاخير يرجي في بقائه ولا مصلحة فإذا حبس شره و أمسك لسانه و كف أذاه و التزم الذل و الصغار وجريان أحكام الله و رسوله عليه وأداء الجزية لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضرر عليهم و الدنيا بلاغ و متاع إلي حينÈ.
45 صحيح البخاري بشرح فتح الباري، المذكور سابقا. ومن الملاحظ أن هناك من طعن في صحة هذا الحديث بدعوى وجود عكرمة مولى ابن عباس في سنده وهو ضعيف، بالإضافة إلى أنه يتعارض مع ما ثبت من نهي الرسول عن القتل. وما يهمنا هنا أن الحديث ذُكر عند البخاري ومسلم، وهذا يكفينا لاعتباره صحيحا. مع العلم أن هناك من يعتبر عكرمة ثبتا لم يضعفه أحد، إضافة إلى أن الحديث لم يروه عكرمة فقط؛ فقد رواه أيضا مالك عن زيد بن أسلم، بسند صحيح، والطبراني عن أبي هريرة (ولو أن المشككين في أحاديث أبي هريرة كثر). ورغم ذلك، هناك من يرى أن الحديث يعارض القرآن وخاصة الآية Çلا إكراه في الدينÈ عقلا وشرعا. فمن هذه الناحية الأخيرة، يقولون هذا الحديث من الآحاد، بينما لا تثبت الحدود بمثل هذه الأحاديث ولا يُعمل بها في العقائد. ثم يشيرورن إلى أن الأصول الفقهية، كما هي عند الشافعي، تقر أنه لا ينسخ القرآن إلا القرآن كما لا تنسخ السنة إلا السنة. إضافة إلى ذلك، يؤكدون على أنه، عند من يرى جواز نسخ القرآن بالسنة، يتوجب أن تكون السنة متواترة، فلا ينسخ حديث الآحاد القرآن. ولعل رأيهم لا يبعد عن الحقيقة، ولكنه غير ذي بال هنا.
46 صحيح مسلم بشرح النووي، المذكور سابقا.
47 وقد دللنا أيضا في مقالات أخرى أن الإسلام لا يعارض بتاتا منع عقوبة الإعدام، لأنه لا يقبض الأرواح في الإسلام إلا الله.
48 وكذا قتل المرأة المرتدة عند جمهور العلماء، غير الحنفية، أنظر : د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر، دمشق، ط3، 1409هـ/ 1989م، (6/ 186).
49 يقول الإمام ابن تيمية : Çفإن الذي عليه جماهير أهل العلم أن المرتد يستتاب ومذهب مالك وأحمد أنه يستتاب، ويؤجل بعد الاستتابة ثلاثة أيام وهل ذلك واجب أو مستحب؟ على روايتين عنهما، أشهرهما عنهما: أن الاستتابة واجبة، وهذا قول إسحاق بن راهويه. وكذلك مذهب الشافعي، هل الاستتابة واجبة أو مستحبة على قولين، لكن عنده في أحد القولين يستتاب، فإن تاب في الحال. وإلا قتل وهو قول ابن المنذر والمزني. وفي القول الآخر يستتاب كمذهب مالك وأحمد. وقال الزهري وابن القاسم في رواية: يستتاب ثلاث مرات ومذهب أبي حنيفة أنه يستتاب - أيضا - فإن تاب وإلا قتل، والمشهور عندهم أن الاستتابة مستحبة... وقال الثوري: يؤجل ما رجيت توبته، وكذلك معنى قول النخعيÈ. أنظر : الصارم المسلول على شاتم الرسول، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ / 1978م، ص 321.
50 فهي تحوّل من من حالة إلى حالة على المستوى الفكري، من حالة الإيمان بالإسلام إلى حالة الإيمان بديانة أخرى أو الإلحاد. وهي مقبولة حسب نص وروح الإسلام بالمعنى الذي بيناه؛ ولا يمكن أن يكون الحال مختلفا في دين يحمي حرية العقيدة كحمايته لأهل الذمة في عصر لم يكن للمختلف دينا أي حق في الحياة.
51 سورة الكافرون، الآية 6. ولعل من أكبر الدلالات على هذه الحرية دستور المدينة الذي آعترف الرسول فيه ليهودها بحرية العقيدة وبأنهم مع المسلمين المهاجرين أمة واحدة. أنظر مثلا : السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: محمد بيومي، مكتبة الإيمان، مصر، ط1، 1416هـ/ 1995م، (2/ 96، 97).
52 يصل عدد الآيات التي تذكر حرّية المعتقد إلى المائتي (200) آية.
53 حكم المرتد يختلف من فقيه إلى آخر حسب ما يكون المرتد محاربا بالفعل أو لا. فالمرتد المحارب يقتل باتفاق الفقهاء؛ أما قبل أن يحارب، فقد اختلفوا هل يستتاب أولا، أم يقتل من دون استتابة.
54 وبالطبع الحديث هنا عن الإسلام السني، لا ما نرى عند الشيعة مثلا وقد أولوا الدين حسب مذهبهم.
55لقد أحصى بعضهم ما لا يقل عن المائة والخمسين من العلماء الذين ذهبوا ضحية تهمة الردة وذلك لمجرد أسباب سياسية، ومنهم الإمام الآمدي صاحب كتاب إحكام الأحكام في أصول الأحكام، وهو إمام من أئمة الشافعية الكبار، والإمام البلقيني.
56 وليس هذا بالجديد في الإسلام، وقد اشتهر منذ قيام الدولة الأموية؛ وقد عُرف العديد من الفقهاء بتطويعهم الدين للأغراض السياسية. راجع الهامش أعلاه عدد 3 بالجزء الأول.
57 له أيضا : الفكر المقاصدي، قواعده وفوائده، ومن أعلام الفكر المقاصدي.
58 له العديد من المؤلفات والآراء الفقهية التي يعتبرها بعض العلماء مخالفة لما يرونه إجماع الكتاب والسنة، ومنها جواز إمامة المرأة الرجال وتجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم. وقد وافاه الأجل في بداية هذه السنة.
59 وهو يضم العديد من رجالات الفكر والفقه منهم الدكتور محمد سليم العوا.
60 فالإكراه يبطل التصرفات والمعاملات والحقوق المادية والدنيوية؛ فمثلا لا زواج بإكراه أو بلا طلاق وإمكانية الخروج من عصمته؛ فكيف نقبل به في أهم شيء في الدين والحياة، ألا وهو العقيدة؟
61 أنظر مسلم، وتمام الحديث : « عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :يا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ : أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَفَعَلَ. وفي رواية (ذاق طعم الإيمان)».
62 الأغاني، ج ٢، ص ٤٦؛ الشعر والشعراء، ج ١، ص ٣٢٢.
63 الفريّة : تصغير فرأة وهي الأتان. راجع، لمزيد التفاصيل، الأغاني، ج ١، ص ٦٠.


نشرت على موقع نواة 

نشرت المقالة وترجمت عند أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب

ويمكن اقتناء النسخة الفرنسية على الانترنت :